وَقَدِ اتَّسَعَ نِطَاقُ تَنَاقُلِ مَعَارِفِ التَّدَاوِي، فَامْتَدَّ مِنَ الْأُسَرِ إِلَى حَلَقَاتِ التَّعْلِيمِ وَمَيَادِينِ الْمُمَارَسَةِ؛ فَكَانَ كُلُّ جِيلٍ يَحْمِلُ مَا تَلَقَّاهُ، وَيُضِيفُ إِلَيْهِ مَا عَرَفَهُ، وَيُوَرِّثُهُ مَنْ بَعْدَهُ. وَبِذَلِكَ عَبَرَتِ الْخِبْرَةُ حُدُودَ الْقُرَى وَالْبُلْدَانِ، ثُمَّ أَتَاحَ التَّدْوِينُ حِفْظَ كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْمَعَارِفِ، وَجَعَلَهَا مَادَّةً لِلْقِرَاءَةِ وَالْمُقَارَنَةِ وَالْمُرَاجَعَةِ، بَعْدَ أَنْ كَانَ جَانِبٌ مِنْهَا مَحْفُوظًا فِي الصُّدُورِ، مُتَدَاوَلًا بِالْمُمَارَسَةِ.
وَفِي الْمَنْظُورِ الْإِيمَانِيِّ، اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَالِقُ النَّبَاتِ وَمَا فِيهِ مِنْ خَصَائِصَ، وَوَاهِبُ الْإِنْسَانِ الْعَقْلَ وَأَسْبَابَ الْمَعْرِفَةِ. وَمِنْ شُكْرِ هَذِهِ النِّعَمِ دِرَاسَةُ مَنَافِعِ النَّبَاتِ، وَمَعْرِفَةُ مَحَاذِيرِ اسْتِعْمَالِهِ، وَإِحْسَانُ الِانْتِفَاعِ بِهِ؛ فَتَجْتَمِعُ فِي الْعِنَايَةِ بِهِ مَعَانِي التَّفَكُّرِ فِي بَدِيعِ الصُّنْعِ، وَالْحِرْصِ عَلَى نَفْعِ الْخَلْقِ، وَالْمَسْؤُولِيَّةِ فِي اسْتِعْمَالِ مَا سَخَّرَهُ اللَّهُ لِلْإِنْسَانِ
وَلَمْ تَأْتِ الْمُصَنَّفَاتُ الْكَبِيرَةُ فِي الْأَدْوِيَةِ جُزَافًا؛ فَوَرَاءَهَا جَمْعٌ وَتَتَبُّعٌ، وَرِحْلَةٌ وَسُؤَالٌ، وَمُشَاهَدَةٌ وَمُقَارَنَةٌ. لَقَدْ عُنِيَ الْمُؤَلِّفُونَ بِأَسْمَاءِ النَّبَاتَاتِ وَاخْتِلَافِ تَسْمِيَاتِهَا، وَمَوَاطِنِ نُمُوِّهَا، وَالْأَنْوَاعِ الَّتِي تَشْتَبِهُ بِهَا؛ فَالدَّوَاءُ يَحْتَاجُ إِلَى مَادَّةٍ مَعْلُومَةٍ، وَالْمَادَّةُ تَحْتَاجُ إِلَى تَعْرِيفٍ يُمَيِّزُهَا. وَمِنْ هُنَا بَرَزَتْ قِيمَةُ الْوَصْفِ وَالتَّسْمِيَةِ وَالتَّصْنِيفِ فِي ضَبْطِ الْمَعْرِفَةِ وَتَقْرِيبِهَا لِطَالِبِهَا.
وَلِلْحَضَارَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالْعَرَبِيَّةِ فِي هَذَا الْمَجَالِ إِسْهَامٌ مَشْهُودٌ؛ فَقَدْ ظَهَرَتْ فِيهَا كُتُبٌ لِلْأَدْوِيَةِ الْمُفْرَدَةِ، وَأُخْرَى لِلتَّرَاكِيبِ وَالْوَصَفَاتِ، وَمُصَنَّفَاتٌ تَجْمَعُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ. وَأَسْهَمَ تَنَوُّعُ الْبِيئَاتِ وَاتِّسَاعُ نِطَاقِ الرِّحْلَاتِ فِي التَّعَرُّفِ إِلَى مَوَادَّ دَوَائِيَّةٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَأَغْنَى تَبَادُلُ الْمَعَارِفِ مَادَّةَ التَّأْلِيفِ؛ فَكَشَفَتْ هَذِهِ الْجُهُودُ عَنْ عِنَايَةٍ بِتَرْتِيبِ الْعِلْمِ، وَإِدْرَاكٍ لِقِيمَةِ الْكِتَابِ فِي حِفْظِ الْخِبْرَةِ وَتَيْسِيرِ الرُّجُوعِ إِلَيْهَا
وَمِنْ أَجَلِّ شَوَاهِدِ هَذَا الْإِرْثِ مُصَنَّفَاتٌ دَوَائِيَّةٌ يَعُودُ تَأْلِيفُهَا إِلَى قُرُونٍ مَضَتْ، جَمَعَ فِيهَا مُؤَلِّفُوهَا مَعَارِفَ الْأَدْوِيَةِ وَالْأَغْذِيَةِ، مُسْتَفِيدِينَ مِنْ مُشَاهَدَاتِهِمْ وَمِنْ مُؤَلَّفَاتٍ سَبَقَتْهُمْ. وَتَشْهَدُ هَذِهِ الْمُصَنَّفَاتُ عَلَى قِدَمِ الْعِنَايَةِ بِهَذَا الْمَجَالِ فِي الْحَضَارَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالْعَرَبِيَّةِ، وَعَلَى جُهُودٍ مُتَتَابِعَةٍ فِي جَمْعِ مَعَارِفِهِ، وَتَرْتِيبِ مَسَائِلِهِ، وَنَقْلِ خِبْرَاتِهِ بَيْنَ الْأَجْيَالِ.
وَتَتَجَلَّى أَهَمِّيَّةُ هَذِهِ الْمُصَنَّفَاتِ فِي إِظْهَارِ سَعَةِ الْمَعْرِفَةِ الدَّوَائِيَّةِ وَقِدَمِ تَنْظِيمِهَا؛ فَوَرَاءَ الْكِتَابِ كُتُبٌ، وَوَرَاءَ الْمُؤَلِّفِ أَجْيَالٌ مِنَ الْبَاحِثِينَ وَالْمُعَالِجِينَ. وَكَثْرَةُ مَوَادِّهَا وَتَعَدُّدُ مَصَادِرِهَا يَدُلَّانِ عَلَى امْتِدَادِ الْعِنَايَةِ بِهَذَا الْعِلْمِ، وَيَكْشِفَانِ عَنْ تُرَاثٍ تَعَاقَبَتْ عَلَيْهِ الْجُهُودُ، يَسْتَحِقُّ قِرَاءَةً تُدْرِكُ عُمْقَهُ، وَدِرَاسَةً تُحْسِنُ تَحْقِيقَهُ. وَفِي الْمُقَارَنَةِ الزَّمَنِيَّةِ، تَبَلْوَرَتْ مَعَالِمُ أَسَاسِيَّةٌ لِلطِّبِّ الْحَدِيثِ خِلَالَ الْقَرْنَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ؛ أَيْ قَبْلَ نَحْوِ مِائَةٍ وَثَمَانِينَ عَامًا. وَيُبَيِّنُ هَذَا التَّأْرِيخُ مَا سَبَقَ تِلْكَ الْمَرْحَلَةَ مِنْ قُرُونِ التَّأْلِيفِ فِي الْأَدْوِيَةِ وَالِاشْتِغَالِ بِالنَّبَاتَاتِ الطِّبِّيَّةِ.
وَلِمَا ثَبَتَ عَنْ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّدَاوِي حَقُّ التَّوْقِيرِ وَالْعِنَايَةِ؛ فَتُحَقَّقُ رِوَايَتُهُ، وَتُضْبَطُ دَلَالَتُهُ، وَيُرْجَعُ فِي فَهْمِهِ إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ، مَعَ مَعْرِفَةِ شُرُوطِ تَطْبِيقِهِ. فَالْعِلْمُ أَمَانَةٌ فِي نَقْلِهِ وَتَفْسِيرِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ، وَتَعْظُمُ مَسْؤُولِيَّتُهُ حِينَ يَتَعَلَّقُ بِصِحَّةِ إِنْسَانٍ وَرَجَائِهِ فِي الْعَافِيَةِ.
وَالطِّبُّ النَّبَاتِيُّ مَجَالٌ يَحْتَاجُ إِلَى تَأْهِيلٍ مَتِينٍ؛ فَمَعْرِفَةُ اسْمِ الْعُشْبَةِ بِدَايَةٌ تَتْبَعُهَا مَعْرِفَةُ نَوْعِهَا، وَالْجُزْءِ الْمُسْتَعْمَلِ مِنْهَا، وَطَرِيقَةِ تَحْضِيرِهَا، وَمِقْدَارِ جُرْعَتِهَا، وَمَحَاذِيرِ اسْتِعْمَالِهَا. وَقَدْ تَتَدَاخَلُ بَعْضُ الْمُسْتَحْضَرَاتِ الْعُشْبِيَّةِ مَعَ الْأَدْوِيَةِ، وَتَتَأَثَّرُ سَلَامَتُهَا بِجَوْدَةِ التَّحْضِيرِ وَنَقَاوَةِ الْمَادَّةِ؛ لِذَلِكَ كَانَتِ الدِّقَّةُ فِي مَعْرِفَتِهَا وَاسْتِعْمَالِهَا مِنْ صُلْبِ الْمَسْؤُولِيَّةِ تِجَاهَ الْمَرِيضِ.
وَالْمُشْتَغِلُ الْأَمِينُ بِهَذَا الْمَجَالِ يَضْبِطُ وَعْدَهُ، وَيَتَحَرَّى صِدْقَ مَعْلُومَتِهِ، وَيُقَدِّمُ مَصْلَحَةَ الْمَرِيضِ عَلَى شُهْرَتِهِ وَمَكْسَبِهِ. وَكُلَّمَا ارْتَفَعَ مُسْتَوَى التَّعْلِيمِ وَالتَّوْثِيقِ وَالرَّقَابَةِ عَلَى الْجَوْدَةِ، ازْدَادَتِ الثِّقَةُ بِالْمُمَارَسَةِ الْمُنْضَبِطَةِ؛ فَعَلَى الْمُعَالِجِ وَاجِبُ الْإِتْقَانِ، وَلِلْمَرِيضِ حَقُّ الصِّدْقِ وَالرِّعَايَةِ، وَبِهِمَا تُصَانُ كَرَامَةُ الْمِهْنَةِ وَتَسْتَقِيمُ غَايَتُهَا.
إِنَّ حَقَّ الطِّبِّ الْأَصِيلِ عَلَيْنَا أَنْ نَرْتَقِيَ بِالِاهْتِمَامِ بِهِ إِلَى مُسْتَوَى الْعَمَلِ: تَحْقِيقًا لِكُتُبِهِ، وَدِرَاسَةً لِنَبَاتَاتِهِ، وَحِفْظًا لِمَوَارِدِهِ، وَتَأْهِيلًا لِلْمُشْتَغِلِينَ بِهِ. وَيَتَطَلَّبُ ذَلِكَ فَهَارِسَ مُحْكَمَةً، وَبَرَامِجَ تَعْلِيمٍ جَادَّةً، وَبُحُوثًا تُحَدِّدُ مَوَاضِعَ النَّفْعِ وَحُدُودَ الِاسْتِعْمَالِ. فَلِلْجُذُورِ حَقُّ الْحِفْظِ، وَلِلْمَعْرِفَةِ حَقُّ التَّحْقِيقِ، وَلِلْإِنْسَانِ حَقُّ الِانْتِفَاعِ؛ وَبِذَلِكَ يَسْتَقِيمُ الْوَفَاءُ، وَتُصَانُ الْأَصَالَةُ، وَيَتَجَدَّدُ الْعَطَاءُ.
وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ أَنَّ الطِّبَّ كَانَ بَارِزًا فِي زَمَنِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَنَّ أَهْلَهُ كَانُوا ذَوِي مَهَارَةٍ فِي الْمُدَاوَاةِ، بِحَسَبِ مَعَارِفِ عَصْرِهِمْ؛ فَجَاءَتْ مُعْجِزَتُهُ فِيمَا تَعْجِزُ عَنْهُ صَنْعَتُهُمْ، إِذْ أَبْرَأَ الْأَكْمَهَ، وَهُوَ مَنْ وُلِدَ أَعْمَى، وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِ اللَّهِ. فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَفَوُّقًا فِي تَرْكِيبِ دَوَاءٍ، بَلْ مُعْجِزَةً تُظْهِرُ صِدْقَ نُبُوَّتِهِ، وَتَكْشِفُ حُدُودَ الْقُدْرَةِ الْبَشَرِيَّةِ. وَهَذَا الْبَيَانُ يُبْرِزُ مَكَانَةَ الطِّبِّ يَوْمَئِذٍ.
وَفِي عَصْرِنَا، تُقِرُّ الْمُؤَسَّسَاتُ الصِّحِّيَّةُ بِإِسْهَامِ النَّبَاتِ فِي اكْتِشَافِ أَدْوِيَةٍ مُهِمَّةٍ؛ فَمِنْهَا مَا اسْتُخْلِصَتْ مَادَّتُهُ الْفَعَّالَةُ مِنْ نَبَاتٍ، وَمِنْهَا مَا طُوِّرَ انْطِلَاقًا مِنْ مُرَكَّبَاتٍ نَبَاتِيَّةٍ. وَمَهْمَا تَقَدَّمَتِ الْآلَاتُ وَدَقَّتِ التَّرْكِيبَاتُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْحُو الْأَصْلَ النَّبَاتِيَّ لِهَذِهِ الْأَدْوِيَةِ، وَلَا يُلْغِي قِيمَتَهُ فِي الْبَحْثِ وَالِاكْتِشَافِ.
وَهَذَا الطِّبُّ الْأَصِيلُ لَا يُنَالُ بِالتَّمَنِّي، وَلَا تُكْتَسَبُ أَهْلِيَّةُ مُمَارَسَتِهِ بِالْوِرَاثَةِ؛ فَقَدْ يَرِثُ الْمَرْءُ كُتُبًا وَوَصَفَاتٍ، وَلَكِنَّهُ لَا يَرِثُ بِذَلِكَ الْفَهْمَ وَالْإِتْقَانَ. وَإِنَّمَا يُتْقِنُهُ بِتَعَلُّمٍ مُنْضَبِطٍ، وَتَدَرُّبٍ تَحْتَ إِشْرَافِ الْمُؤَهَّلِينَ، وَمُرَاجَعَةٍ دَائِمَةٍ لِلْمَعْرِفَةِ؛ فَالنَّسَبُ لَا يَقُومُ مَقَامَ الدِّرَاسَةِ، وَالشُّهْرَةُ لَا تُغْنِي عَنِ الْكَفَاءَةِ، وَحُسْنُ النِّيَّةِ لَا يَكْفِي لِصَوْنِ صِحَّةِ الْمَرِيضِ. فَالْمِهْنَةُ مَسْؤُولِيَّةٌ تَسْبِقُ اللَّقَبَ، وَالْمَعْرِفَةُ جُهْدٌ يَسْبِقُ الْمُمَارَسَةَ، وَمَنْ أَرَادَ نَفْعَ النَّاسِ لَزِمَهُ أَنْ يَعْرِفَ قَدْرَ عِلْمِهِ وَحُدُودَ اخْتِصَاصِهِ، وَأَلَّا يَتَجَاوَزَهَا.