الطب البديل

الْأَخْلَاطُ الْأَرْبَعَةُ وَطِبُّ الْأَعْشَابِ: التَّعَلُّمُ وَالتَّأَهُّلُ قَبْلَ الْمُمَارَسَةِ

إِعْدَادُ الدُّكْتُورِ يُوسُفَ أَحْمَدَ الْمِيعَارِيِّ

لَيْسَ كُلُّ مَا نَفَعَ إِنْسَانًا يَنْفَعُ غَيْرَهُ، وَلَا كُلُّ مَا اشْتَهَرَ بَيْنَ النَّاسِ يَصْلُحُ لِكُلِّ حَالَةٍ. وَمِنْ هُنَا تَبْدَأُ الْعِنَايَةُ الصَّحِيحَةُ بِالْجِسْمِ: أَنْ نَفْهَمَ حَاجَتَهُ قَبْلَ أَنْ نَخْتَارَ لَهُ غِذَاءً أَوْ دَوَاءً. فَالْعِلْمُ يَسْبِقُ الْمُعَالَجَةَ، وَالتَّأَهُّلُ يَسْبِقُ الْمُمَارَسَةَ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْعِلَاجِ نَفْعُ الْإِنْسَانِ وَتَخْفِيفُ مُعَانَاتِهِ.

وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَعْرِفُونَ أَسْمَاءَ الْأَعْشَابِ وَيَتَنَاقَلُونَ وَصَفَاتِهَا، وَلَكِنَّهُمْ قَدْ يَجْهَلُونَ سَبَبَ أَعْرَاضِهِمْ، أَوْ مَدَى مُنَاسَبَةِ تِلْكَ الْوَصَفَاتِ لَهُمْ. فَيَسْمَعُ أَحَدُهُمْ أَنَّ عُشْبَةً أَرَاحَتْ قَرِيبًا، فَيَظُنُّ أَنَّهَا سَتُرِيحُهُ بِالْقَدْرِ نَفْسِهِ. وَالْوَاقِعُ أَنَّ تَشَابُهَ الشَّكْوَى لَا يَعْنِي تَطَابُقَ السَّبَبِ، وَأَنَّ الْخُطَّةَ الْمُنَاسِبَةَ تُرَاعِي حَالَةَ الْمَرِيضِ وَظُرُوفَهُ وَحَاجَتَهُ.

الْأَخْلَاطُ فِي التُّرَاثِ الطِّبِّيِّ

وَقَدْ عَرَفَ التُّرَاثُ الطِّبِّيُّ نَظَرِيَّةَ الْأَخْلَاطِ الْأَرْبَعَةِ، وَهِيَ الدَّمُ وَالْبَلْغَمُ وَالصَّفْرَاءُ وَالسَّوْدَاءُ. وَكَانَ الْأَطِبَّاءُ الْقُدَمَاءُ يَتَصَوَّرُونَ أَنَّ اعْتِدَالَهَا يَحْفَظُ الصِّحَّةَ، وَأَنَّ اخْتِلَالَ تَوَازُنِهَا يُفْضِي إِلَى الْمَرَضِ. وَشَكَّلَ هَذَا التَّصَوُّرُ جُزْءًا مُهِمًّا مِنْ لُغَتِهِمْ فِي وَصْفِ الْأَبْدَانِ وَتَفْسِيرِ الْأَعْرَاضِ وَاخْتِيَارِ الْأَغْذِيَةِ وَالْأَدْوِيَةِ، فَحَضَرَ فِي الْمُصَنَّفَاتِ وَالتَّعْلِيمِ وَالْمُمَارَسَةِ.

وَفِي هَذَا التَّصْنِيفِ التُّرَاثِيِّ، نُسِبَ إِلَى الدَّمِ طَبْعٌ حَارٌّ رَطْبٌ، وَإِلَى الْبَلْغَمِ طَبْعٌ بَارِدٌ رَطْبٌ، وَإِلَى الصَّفْرَاءِ طَبْعٌ حَارٌّ يَابِسٌ، وَإِلَى السَّوْدَاءِ طَبْعٌ بَارِدٌ يَابِسٌ. وَكَانَتْ هَذِهِ الْأَوْصَافُ جُزْءًا مِنْ نَظَرِيَّةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ الْأَخْلَاطِ وَالْكَيْفِيَّاتِ الْأَرْبَعِ: الْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ وَالرُّطُوبَةِ وَالْيُبُوسَةِ؛ فَيَنْبَغِي فَهْمُهَا فِي سِيَاقِهَا التَّارِيخِيِّ وَالِاصْطِلَاحِيِّ.

وَالْمِزَاجُ فِي هَذَا الِاصْطِلَاحِ أَوْسَعُ مِنْ مَعْنَى الْحَالَةِ النَّفْسِيَّةِ الْعَابِرَةِ؛ فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ بِهِ مُجَرَّدَ السُّرُورِ أَوِ الْغَضَبِ، وَإِنَّمَا مَا تَصَوَّرُوهُ نَاتِجًا مِنِ امْتِزَاجِ تِلْكَ الْكَيْفِيَّاتِ فِي الْبَدَنِ. وَعَلَى هَذَا الْأَسَاسِ وَصَفُوا أَغْذِيَةً وَأَدْوِيَةً بِالْحَرَارَةِ أَوِ الْبُرُودَةِ، وَاجْتَهَدُوا فِي اخْتِيَارِ مَا ظَنُّوهُ مُلَائِمًا لِمِزَاجِ الْمَرِيضِ وَحَالَتِهِ.

وَمِنْ دَقَائِقِ دِرَاسَةِ التُّرَاثِ أَنَّ وَصْفَ طَعَامٍ بِأَنَّهُ حَارٌّ أَوْ بَارِدٌ لَمْ يَكُنْ يَعْنِي دَائِمًا دَرَجَةَ حَرَارَتِهِ عِنْدَ تَنَاوُلِهِ، بَلْ مَا نَسَبُوهُ إِلَيْهِ مِنْ أَثَرٍ فِي الْبَدَنِ وَفْقَ نَظَرِيَّتِهِمْ. وَيُعِينُ التَّعَلُّمُ الْمُنْضَبِطُ عَلَى تَمْيِيزِ هَذِهِ الْمَعَانِي، وَيَمْنَعُ الْخَلْطَ بَيْنَ الِاصْطِلَاحِ التُّرَاثِيِّ وَالْوَصْفِ الْحِسِّيِّ الْمُبَاشِرِ.

وَتُفِيدُ دِرَاسَةُ هَذِهِ الْمُصْطَلَحَاتِ فِي فَهْمِ تَارِيخِ الطِّبِّ وَمَنَاهِجِ أَصْحَابِهِ. أَمَّا فِي الْمُمَارَسَةِ الْعِلَاجِيَّةِ الْحَالِيَّةِ، فَنَظَرِيَّةُ الْأَخْلَاطِ لَيْسَتْ أَسَاسًا عِلْمِيًّا مُعْتَمَدًا لِتَشْخِيصِ الْأَمْرَاضِ أَوْ تَحْدِيدِ الْعِلَاجِ. فَاحْتِرَامُ التُّرَاثِ يَقْتَضِي حُسْنَ فَهْمِهِ، وَالْعِنَايَةُ بِالْمَرِيضِ تَقْتَضِي تَأْهِيلًا عِلْمِيًّا وَعَمَلِيًّا، وَاسْتِنَادًا إِلَى الْفَحْصِ وَالدَّلِيلِ وَالتَّقْيِيمِ الْمُنَاسِبِ.

الْمُلَاحَظَةُ وَالتَّشْخِيصُ

وَلَا يَكْفِي أَنْ يَشْعُرَ الْمَرْءُ بِالْبَرْدِ فَيَحْكُمَ عَلَى نَفْسِهِ بِغَلَبَةِ الْبَلْغَمِ، أَوْ يَكْثُرَ غَضَبُهُ فَيَنْسُبَ ذَلِكَ إِلَى الصَّفْرَاءِ، أَوْ يَحْزَنَ فَيَجْعَلَ السَّوْدَاءَ تَفْسِيرًا لِحَالَتِهِ. فَهَذِهِ الْمُلَاحَظَاتُ الْمُفْرَدَةُ لَا تُقِيمُ تَشْخِيصًا. وَالْأَنْفَعُ أَنْ يَصِفَ أَعْرَاضَهُ بِدِقَّةٍ، وَيَطْلُبَ فَهْمَ أَسْبَابِهَا مِنْ خِلَالِ مُرَاجَعَةِ طَبِيبٍ ثِقَةٍ.

وَتُعِينُ الْمُلَاحَظَةُ الْمُنْضَبِطَةُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْجِسْمِ؛ فَيَنْتَبِهُ الْإِنْسَانُ إِلَى وَقْتِ ظُهُورِ الشَّكْوَى، وَمُدَّتِهَا، وَصِلَتِهَا بِالطَّعَامِ وَالنَّوْمِ وَالْحَرَكَةِ، وَمَا يَتَنَاوَلُهُ مِنْ أَدْوِيَةٍ أَوْ مُسْتَحْضَرَاتٍ. وَيُفِيدُ أَنْ يُدَوِّنَ ذَلِكَ فِي مُذَكِّرَةٍ مُخْتَصَرَةٍ يَعْرِضُهَا عَلَى طَبِيبٍ ثِقَةٍ؛ فَالتَّدْوِينُ يُوَضِّحُ تَسَلْسُلَ الْأَعْرَاضِ، وَيُعِينُ عَلَى تَقْيِيمِ الِاسْتِجَابَةِ.

وَلِلْمُلَاحَظَةِ قِيمَتُهَا حِينَ تُفْهَمُ فِي سِيَاقِهَا؛ فَتَحَسُّنُ الشَّكْوَى بَعْدَ تَنَاوُلِ شَيْءٍ لَا يُثْبِتُ وَحْدَهُ أَنَّهُ سَبَبُ التَّحَسُّنِ. فَقَدْ تَتَغَيَّرُ الْأَعْرَاضُ مَعَ الْوَقْتِ، أَوْ مَعَ تَعْدِيلِ الْغِذَاءِ وَعَادَاتِ الرَّاحَةِ. وَهُنَا يَظْهَرُ دَوْرُ الْمُتَخَصِّصِ فِي تَفْسِيرِ الْمُعْطَيَاتِ وَرَبْطِهَا، وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ التَّزَامُنِ وَالسَّبَبِيَّةِ، وَتَقْدِيرِ مَا يَسْتَدْعِي الْمُتَابَعَةَ.

مَعْرِفَةُ الْعُشْبَةِ وَمُسْتَحْضَرِهَا

وَفِي الطِّبِّ الْأَصِيلِ، أَيْ طِبِّ الْأَعْشَابِ فِي هَذَا الطَّرْحِ، تَبْدَأُ الْمَعْرِفَةُ بِتَحْدِيدِ النَّبَاتِ تَحْدِيدًا صَحِيحًا، وَمَعْرِفَةِ الْجُزْءِ الْمُسْتَعْمَلِ مِنْهُ، وَطَرِيقَةِ تَحْضِيرِهِ، وَالْغَرَضِ مِنِ اسْتِعْمَالِهِ. فَقَدْ يَكُونُ الْمُسْتَعْمَلُ وَرَقًا أَوْ بَذْرًا أَوْ جَذْرًا، وَيَكُونُ الْمُسْتَحْضَرُ مَنْقُوعًا أَوْ مُسْتَخْلَصًا أَوْ كَبْسُولَاتٍ؛ وَهَذِهِ الْفُرُوقُ تُدْرَسُ وَتُرَاعَى عِنْدَ الِاخْتِيَارِ.

وَلَا تَقُومُ الْمَعْرِفَةُ بِالْأَعْشَابِ عَلَى حِفْظِ أَسْمَائِهَا وَحْدَهَا؛ فَالْجُرْعَةُ، وَمُدَّةُ الِاسْتِعْمَالِ، وَجَوْدَةُ الْمُسْتَحْضَرِ، وَمُنَاسَبَتُهُ لِلْمَرِيضِ، أَجْزَاءٌ مِنَ الْمَعْرِفَةِ نَفْسِهَا. وَقَدْ يَخْتَلِفُ الْمَشْرُوبُ الْخَفِيفُ عَنِ الْمُسْتَخْلَصِ الْمُرَكَّزِ اخْتِلَافًا يَسْتَلْزِمُ اخْتِلَافَ التَّوْجِيهِ. وَتَقْدِيرُ هَذِهِ الْأُمُورِ يَحْتَاجُ إِلَى تَعَلُّمٍ مُنَظَّمٍ وَتَدَرُّبٍ عَمَلِيٍّ، وَمُرَاجَعَةِ طَبِيبٍ ثِقَةٍ عِنْدَ الْحَاجَةِ.

وَمِنَ الْأَمْثِلَةِ الْعَمَلِيَّةِ كَبْسُولَاتُ زَيْتِ النَّعْنَاعِ الْفُلْفُلِيِّ ذَاتُ التَّغْلِيفِ الْمِعَوِيِّ؛ فَقَدْ دُرِسَتْ لِتَخْفِيفِ بَعْضِ أَعْرَاضِ الْقَوْلُونِ الْعَصَبِيِّ لَدَى الْبَالِغِينَ، وَأَظْهَرَتْ فَائِدَةً لَدَى بَعْضِهِمْ عَلَى الْمَدَى الْقَصِيرِ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا مُسْتَحْضَرٌ مُحَدَّدٌ لِحَالَةٍ مُحَدَّدَةٍ، يُخْتَارُ بَعْدَ مُرَاجَعَةِ طَبِيبٍ ثِقَةٍ، وَتُتَابَعُ نَتِيجَتُهُ بِحَسَبِ تَحَسُّنِ الْأَعْرَاضِ وَمُلَاءَمَتِهِ لِلْمُصَابِ.

وَيُوَضِّحُ هَذَا الْمِثَالُ أَنَّ الِاسْتِفَادَةَ مِنَ النَّبَاتِ تَزْدَادُ دِقَّةً حِينَ نَرْبِطُهَا بِالْمُسْتَحْضَرِ الْمَدْرُوسِ وَالْغَرَضِ الْمَعْرُوفِ. فَلَا تُنْقَلُ نَتَائِجُ الْكَبْسُولَاتِ تِلْقَائِيًّا إِلَى شَايِ النَّعْنَاعِ، وَلَا يُفْتَرَضُ أَنَّ الْفَائِدَةَ نَفْسَهَا تَشْمَلُ جَمِيعَ الشَّكَاوَى الْهَضْمِيَّةِ. وَهَذَا الضَّبْطُ مِنْ ثَمَرَاتِ التَّعَلُّمِ الَّذِي يُنَمِّي التَّمْيِيزَ وَيَضَعُ الْمَعْلُومَةَ فِي مَوْضِعِهَا.

وَمِنَ الْمُفِيدِ أَنْ يَسْأَلَ الْمَرِيضُ عِنْدَ بَدْءِ أَيِّ تَوْجِيهٍ عِلَاجِيٍّ عَنِ الْهَدَفِ الْمُتَوَقَّعِ، وَالْمُدَّةِ الْمُنَاسِبَةِ لِتَقْيِيمِ النَّتِيجَةِ، وَمَا يَسْتَدْعِي إِعَادَةَ الْمُرَاجَعَةِ. فَهَذِهِ الْأَسْئِلَةُ تَجْعَلُهُ شَرِيكًا وَاعِيًا فِي الْعِنَايَةِ بِصِحَّتِهِ، وَتُسَاعِدُهُ عَلَى الِالْتِزَامِ بِخُطَّةٍ مَفْهُومَةٍ يَعْرِفُ غَرَضَهَا وَيُتَابِعُ أَثَرَهَا.

وَيَسْرِي مَبْدَأُ الْمُلَاءَمَةِ عَلَى الْغِذَاءِ أَيْضًا؛ فَيُرَاعَى نَوْعُ الطَّعَامِ وَكَمِّيَّتُهُ وَطَرِيقَةُ تَحْضِيرِهِ، وَيُفْهَمُ أَثَرُهُ فِي ضَوْءِ حَالَةِ الشَّخْصِ. وَمِنَ الْحِكْمَةِ أَنْ تَكُونَ التَّغْيِيرَاتُ الْغِذَائِيَّةُ وَاضِحَةً وَمُتَدَرِّجَةً، وَأَنْ يُتَجَنَّبَ الْمَنْعُ الْوَاسِعُ دُونَ حَاجَةٍ. فَالْغَايَةُ تَحْقِيقُ الرَّاحَةِ مَعَ الْحِفَاظِ عَلَى تَنَوُّعِ الْغِذَاءِ وَكِفَايَتِهِ وَمُنَاسَبَتِهِ لِلْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ.

وَعِنْدَ اسْتِعْمَالِ الْأَعْشَابِ مَعَ أَدْوِيَةٍ أُخْرَى، تَلْزَمُ مُرَاجَعَةُ طَبِيبٍ ثِقَةٍ، وَإِطْلَاعُهُ عَلَى أَسْمَاءِ الْمُسْتَحْضَرَاتِ وَكَمِّيَّاتِهَا. وَيَكُونُ ذَلِكَ أَهَمَّ عِنْدَ وُجُودِ مَرَضٍ مُزْمِنٍ، أَوْ خِلَالَ الْحَمْلِ وَالرَّضَاعَةِ، أَوْ عِنْدَ تَدَاوِي الْأَطْفَالِ. وَتُسَاعِدُ هَذِهِ الْمُرَاجَعَةُ عَلَى تَنْسِيقِ الْعِلَاجِ وَاخْتِيَارِ الْمُنَاسِبِ، مَعَ الِاسْتِمْرَارِ فِي الْعِلَاجِ الْمَوْصُوفِ مَا لَمْ يُقَرِّرِ الطَّبِيبُ تَعْدِيلَهُ.

التَّأَهُّلُ قَبْلَ الْمُمَارَسَةِ

وَالْمُشْتَغِلُ الْأَمِينُ بِطِبِّ الْأَعْشَابِ يَجْمَعُ بَيْنَ التَّعَلُّمِ وَالتَّدَرُّبِ، وَيَعْرِفُ حُدُودَ اخْتِصَاصِهِ، وَيُحِيلُ الْحَالَةَ إِلَى مَنْ يُحْسِنُ تَقْيِيمَهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ. فَالْخِبْرَةُ تُصْقَلُ بِالدِّرَاسَةِ وَالْمُمَارَسَةِ الْمُوَجَّهَةِ، وَالْمَعْرِفَةُ تَنْمُو بِالتَّعَلُّمِ الْمُسْتَمِرِّ، وَالثِّقَةُ تُبْنَى عَلَى الصِّدْقِ وَالْإِتْقَانِ. وَلَا تُغْنِي شُهْرَةُ الْمُعَالِجِ عَنْ تَأْهِيلِهِ، كَمَا لَا يُغْنِي انْتِشَارُ الْوَصْفَةِ عَنْ تَحْقِيقِهَا.

وَقَدْ يَرِثُ الْإِنْسَانُ كُتُبًا وَوَصَفَاتٍ وَحِكَايَاتٍ عَنْ تَجَارِبِ مَنْ سَبَقَهُ، وَهِيَ مَادَّةٌ لِلدِّرَاسَةِ وَالْبَحْثِ. أَمَّا أَهْلِيَّةُ الْمُعَالَجَةِ فَتُكْتَسَبُ بِالتَّعَلُّمِ وَالتَّدَرُّبِ وَالتَّقْيِيمِ، وَلَا تَنْتَقِلُ بِالنَّسَبِ. وَتَظْهَرُ مَكَانَةُ الْمُتَعَلِّمِ فِي دِقَّةِ فَهْمِهِ، وَسَلَامَةِ تَطْبِيقِهِ، وَحُسْنِ تَمْيِيزِهِ، وَصِدْقِ بَيَانِهِ لِمَا يَعْلَمُ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعَلُّمِهِ.

وَلَا يَصِيرُ الْإِنْسَانُ طَبِيبًا بِمُجَرَّدِ الْقِرَاءَةِ وَالِاطِّلَاعِ؛ فَالْقِرَاءَةُ وَسِيلَةٌ مِنْ وَسَائِلِ التَّعَلُّمِ، وَأَهْلِيَّةُ الطَّبِيبِ ثَمَرَةُ تَعْلِيمٍ مُتَخَصِّصٍ، وَتَدْرِيبٍ سَرِيرِيٍّ تَحْتَ إِشْرَافِ مُؤَهَّلِينَ، وَتَقْيِيمٍ لِلْكِفَايَةِ. وَتَعَلُّمُ خَصَائِصِ عُشْبَةٍ أَوْ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ التَّدَاوِي لَا يُغْنِي عَنْ هَذَا التَّأْهِيلِ، وَلَا يَمْنَحُ صَاحِبَهُ أَهْلِيَّةَ تَشْخِيصِ جَمِيعِ الْأَمْرَاضِ وَعِلَاجِهَا.

وَالتَّعْلِيمُ مَسْؤُولِيَّةٌ تُلَازِمُ التَّعَلُّمَ؛ فَمَنْ تَصَدَّى لِتَعْلِيمِ النَّاسِ وَجَبَ أَنْ يُحْسِنَ مَا يُعَلِّمُهُ، وَيُبَيِّنَ حُدُودَهُ، وَيُرَبِّيَ طُلَّابَهُ عَلَى السُّؤَالِ وَالتَّحَقُّقِ وَالْأَمَانَةِ. فَلَا يَكْفِي أَنْ يَحْفَظَ الطَّالِبُ وَصْفَةً؛ بَلْ يَتَعَلَّمُ مَتَى تُنَاسِبُ الْحَالَةَ، وَكَيْفَ تُسْتَعْمَلُ، وَكَيْفَ تُتَابَعُ نَتِيجَتُهَا، وَمَتَى يَحْتَاجُ إِلَى إِحَالَةِ الْمَرِيضِ.

وَلِلْمُتَعَلِّمِ حَقٌّ فِي بَيَانٍ يُمَيِّزُ بَيْنَ الِاسْتِعْمَالِ الْمَوْرُوثِ وَالنَّتِيجَةِ الْمَدْرُوسَةِ، وَبَيْنَ الْخِبْرَةِ الشَّخْصِيَّةِ وَالدَّلِيلِ الَّذِي يُمْكِنُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ. فَذِكْرُ اسْتِعْمَالِ نَبَاتٍ قَدِيمًا يَصِفُ تَارِيخَهُ، وَإِثْبَاتُ فَائِدَتِهِ الْعِلَاجِيَّةِ يَحْتَاجُ إِلَى مَا يَسْنُدُهَا. وَبِهَذَا التَّمْيِيزِ يَسْتَقِيمُ التَّعْلِيمُ، وَتَنْضَبِطُ الْمُمَارَسَةُ، وَيَتَعَلَّمُ الطَّالِبُ أَنْ يُقَدِّرَ كُلَّ مَعْلُومَةٍ بِقَدْرِ دَلِيلِهَا.

إِنَّ الْوَفَاءَ لِلتُّرَاثِ الطِّبِّيِّ يَكُونُ بِدِرَاسَتِهِ وَتَحْقِيقِهِ، وَالْإِحْسَانَ إِلَى الْمَرِيضِ يَكُونُ بِالْعِلْمِ وَالْكِفَايَةِ وَحُسْنِ الْمُعَالَجَةِ. فَمَنْ أَرَادَ مُمَارَسَةَ الطِّبِّ فَلْيَتَعَلَّمْ تَعَلُّمًا مُنَظَّمًا، وَلْيَتَدَرَّبْ تَدَرُّبًا مُوَجَّهًا، وَلْيَسْتَوْفِ أَسْبَابَ التَّأَهُّلِ قَبْلَ أَنْ يَتَصَدَّى لِلْعِلَاجِ. فَالْعِلْمُ أَمَانَةٌ، وَالتَّعْلِيمُ مَسْؤُولِيَّةٌ، وَصِحَّةُ الْإِنْسَانِ تَسْتَحِقُّ مَعْرِفَةً رَاسِخَةً وَيَدًا مُؤَهَّلَةً.