السِّيرَةُ الْعِلْمِيَّةُ وَالْمِهْنِيَّةُ

التَّكْوِينُ الْعِلْمِيُّ وَالْمَسَارُ الْمِهْنِيُّ

الْمُؤَهِّلَاتُ وَمَجَالَاتُ الْخِبْرَةِ

  • حَاصِلٌ عَلَى الدُّكْتُورَاهِ فِي الصِّحَّةِ الْعَامَّةِ، وَبُرُوفِيسُورٌ فِي الطِّبِّ الطَّبِيعِيِّ النَّبَاتِيِّ
  • مُتَخَصِّصٌ فِي عِلَاجِ السَّرَطَانِ وَالْأَمْرَاضِ الْمُزْمِنَةِ، وَمُؤَسِّسُ مَرْكَزٍ طِبِّيٍّ لِلْأَبْحَاثِ فِي أُوكْرَانِيَا
  • حَاصِلٌ عَلَى الدُّكْتُورَاهِ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَآدَابِهَا، شَاعِرٌ وَصَاحِبُ سَبْعَةَ عَشَرَ مُؤَلَّفًا أَدَبِيًّا
  • يُتْقِنُ خَمْسَ لُغَاتٍ
  • فَنَّانٌ تَشْكِيلِيٌّ وَرِيَاضِيٌّ
د. يوسف أحمد الميعاري يكتب في دفتر على طاولة
تَدْوِينُ الْمَعْرِفَةِ وَصِيَاغَةُ الْفِكْرِ

تَقْدِيمٌ

فِي مَوْكِبِ السِّيَرِ الْكِبَارِ، وَفِي مَعَارِضِ الْمَجْدِ الْمُشْرِقَةِ، وَفِي سِجِلَّاتِ الرِّجَالِ الَّذِينَ لَا تَمُرُّ أَسْمَاؤُهُمْ مَرَّ السَّحَابِ، بَلْ تَثْبُتُ ثُبُوتَ الْجِبَالِ، وَتَلْمَعُ لَمَعَانَ النُّجُومِ، وَتَرْسُخُ رُسُوخَ الْأُصُولِ فِي الْأَعْمَاقِ، يَنْتَصِبُ اسْمُ الْأَدِيبِ الْمُؤَلِّفِ يُوسُفَ أَحْمَدَ الْمِيعَارِيِّ انْتِصَابَ الْقَامَةِ السَّامِقَةِ الَّتِي لَا تَلِينُ، وَيَتَجَلَّى تَجَلِّيَ الْمَعْنَى الْكَبِيرِ إِذَا اقْتَرَنَ بِالْفَضْلِ، وَالْفَضْلُ إِذَا تُوِّجَ بِالْإِبْدَاعِ، وَالْإِبْدَاعُ إِذَا عَضَّدَهُ الْعِلْمُ، وَزَكَّاهُ الذَّوْقُ، وَصَانَهُ الْوَقَارُ.

وَلَيْسَ هٰذَا الرَّجُلُ مِمَّنْ تُحِيطُ بِهِ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ، أَوْ يَحْصُرُهُ لَقَبٌ مُفْرَدٌ، أَوْ تَسْتَوْعِبُهُ عِبَارَةٌ قَصِيرَةٌ؛ بَلْ هُوَ شَخْصِيَّةٌ مُرَكَّبَةُ الْمَجْدِ، مُؤَلَّفَةُ الْفَضَائِلِ، إِذَا ذُكِرَتِ الْعُلُومُ كَانَ لَهُ فِيهَا مَوْضِعُ الصَّدَارَةِ، وَإِذَا ذُكِرَتِ الْفُنُونُ كَانَ لَهُ فِيهَا نَصِيبُ السِّيَادَةِ، وَإِذَا ذُكِرَ الطِّبُّ أَقَامَ فِيهِ بُرْهَانَ الْحِذْقِ وَالْإِحْكَامِ، وَإِذَا ذُكِرَ الْأَدَبُ أَظْهَرَ فِيهِ رَوْنَقَ الْبَيَانِ وَسُلْطَانَ الْقَلَمِ، وَإِذَا ذُكِرَ الشِّعْرُ جَاءَ مِنْهُ بِالنَّفَسِ الَّذِي يُشْبِهُ الضِّيَاءَ إِذَا سَرَى، وَإِذَا ذُكِرَ الْفَنُّ وَالرَّسْمُ كَانَ لَهُ فِيهِمَا يَدُ الْمُصَوِّرِ الَّذِي يُنْطِقُ اللَّوْنَ، وَيُرْسِلُ الْخَطَّ، وَيُوقِظُ فِي الصُّورَةِ وَهْجًا مِنَ الْجَمَالِ الْآسِرِ.

فَهُوَ فِي الطِّبِّ لَيْسَ مُجَرَّدَ مُمَارِسٍ، بَلْ صَاحِبُ بَصَرٍ وَبَصِيرَةٍ، وَفِكْرٍ وَفِطْنَةٍ؛ يَقْرَأُ الْجَسَدَ لَا بِعَيْنِ الْمِهْنَةِ فَحَسْبُ، بَلْ بِعَيْنِ الْحِكْمَةِ أَيْضًا، فَيَنْفُذُ إِلَى مَوَاطِنِ الدَّاءِ نُفُوذَ الْخَبِيرِ، وَيَتَلَمَّسُ طُرُقَ الشِّفَاءِ تَلَمُّسَ الْمُحْسِنِ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ دِقَّةِ الْعِلْمِ وَدِفْءِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَبَيْنَ صَرَامَةِ التَّشْخِيصِ وَلَطَافَةِ الْإِحْسَاسِ، وَبَيْنَ مَعْرِفَةِ السَّبَبِ وَمُرَاعَاةِ الْأَثَرِ. وَلَمْ يَضِقْ أُفُقُهُ بِمَدَارِكِ الطِّبِّ الْبَدِيلِ وَالتَّكْمِيلِيِّ، بَلِ اتَّسَعَ لَهَا اتِّسَاعَ الْبَاحِثِ الْمُتَعَمِّقِ، فَجَعَلَ مِنَ الْعِلَاجِ فَهْمًا، وَمِنَ الرِّعَايَةِ رِفْقًا، وَمِنَ الْمِهْنَةِ مِيثَاقًا، وَمِنَ الْخِبْرَةِ مِفْتَاحًا إِلَى عَالَمٍ تَلْتَقِي فِيهِ صِحَّةُ الْجَسَدِ بِسَكِينَةِ الرُّوحِ، وَتَتَعَانَقُ فِيهِ حِكْمَةُ الْعِلْمِ وَرَحْمَةُ الْإِنْسَانِ.

وَهُوَ فِي الْأَدَبِ أَدِيبٌ، إِذَا كَتَبَ أَشْرَقَتِ الْعِبَارَةُ فِي يَدِهِ إِشْرَاقَ الْجَوْهَرِ الْمَصْقُولِ، وَإِذَا صَاغَ الْمَعْنَى كَسَاهُ مِنْ بَهَاءِ اللَّفْظِ وَجَلَالِ السَّبْكِ مَا يَزِيدُهُ جَلَالًا عَلَى جَلَالٍ، وَجَمَالًا عَلَى جَمَالٍ. لَا تَجِيءُ كَلِمَاتُهُ مُرْسَلَةً عَلَى سَجِيَّتِهَا، وَلَا تَتَدَاعَى أَلْفَاظُهُ تَدَاعِيَ الْهَشِيمِ، بَلْ تَنْتَظِمُ فِي سِلْكٍ مَرْصُوصٍ، وَتَسْتَوِي فِي نِظَامٍ مَحْسُوبٍ، حَتَّى يَغْدُوَ نَثْرُهُ مِعْمَارًا مِنَ الْمَعَانِي، وَمَوْكِبًا مِنَ الْمَبَانِي، وَحَدِيقَةً مِنَ الصُّوَرِ، وَمَوْسِمًا مِنَ الدَّلَالَاتِ. فَإِذَا قَرَأْتَهُ أَحْسَسْتَ أَنَّكَ أَمَامَ قَلَمٍ لَا يَكْتُبُ الْحَرْفَ فَحَسْبُ، بَلْ يَشُقُّ لِلْمَعْنَى طَرِيقًا، وَيُقِيمُ لِلْفِكْرَةِ صَرْحًا، وَيَرْفَعُ لِلْجَمَالِ رَايَةً.

وَهُوَ فِي الشِّعْرِ شَاعِرٌ لَا يَسْتَعِيرُ الرَّهَافَةَ، بَلْ تَصْدُرُ عَنْهُ، وَلَا يَتَكَلَّفُ الْوَهْجَ، بَلْ يَنْبَعُ مِنْهُ؛ فَشِعْرُهُ إِذَا جَرَى جَرَى جَرَيَانَ السَّوَاقِي فِي الرَّوْضِ، وَإِذَا تَوَهَّجَ تَوَهَّجَ تَوَهُّجَ الْفَجْرِ فِي أَطْرَافِ اللَّيْلِ، وَإِذَا لَامَسَ الْقُلُوبَ لَامَسَهَا مُلَامَسَةَ النَّسِيمِ لِلْغُصُونِ، فَيُحَرِّكُهَا مِنْ غَيْرِ قَسْوَةٍ، وَيَمْلَؤُهَا مِنْ غَيْرِ ضَجِيجٍ. فِي شِعْرِهِ رِقَّةٌ لَا تَضْعُفُ، وَقُوَّةٌ لَا تَقْسُو، وَجَمَالٌ لَا يَنْكَسِرُ، وَمَعْنًى لَا يَضِيقُ. وَهُوَ، إِذْ يَقُولُ، لَا يُلْقِي أَلْفَاظًا، بَلْ يَغْرِسُ أَحَاسِيسَ، وَلَا يُرَتِّبُ أَبْيَاتًا، بَلْ يُشَيِّدُ أَجْوَاءً، وَلَا يَصْنَعُ صُوَرًا، بَلْ يَرْسُمُ مَشَاهِدَ تَبْقَى فِي الذَّاكِرَةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْقِرَاءَةِ.

وَهُوَ فِي الْفَنِّ وَالرَّسْمِ فَنَّانٌ تَتَحَوَّلُ بَيْنَ أَنْفَاسِهِ الْأَلْوَانُ إِلَى أَنْغَامٍ، وَتَتَحَوَّلُ الْخُطُوطُ إِلَى أَصْدَاءٍ، وَتَتَحَوَّلُ اللَّوْحَةُ مِنْ سَطْحٍ صَامِتٍ إِلَى كَائِنٍ نَابِضٍ، لَهُ عَيْنٌ تَرَى، وَقَلْبٌ يَشْعُرُ، وَرُوحٌ تُحَلِّقُ فِي فَضَاءِ التَّشْكِيلِ. فَإِذَا أَمْسَكَ اللَّوْنَ لَمْ يُمْسِكْهُ أَدَاةً، بَلْ أَمْسَكَهُ لُغَةً، وَإِذَا أَرْسَلَ الْخَطَّ لَمْ يُرْسِلْهُ حَرَكَةً، بَلْ أَرْسَلَهُ نَبْضًا، وَإِذَا بَنَى اللَّوْحَةَ لَمْ يَبْنِهَا شَكْلًا فَحَسْبُ، بَلْ بَنَاهَا رُؤْيَا وَرَمْزًا. وَكَأَنَّهُ فِي الرَّسْمِ شَاعِرٌ بِغَيْرِ كَلِمَاتٍ، وَفِي الشِّعْرِ رَسَّامٌ بِغَيْرِ أَلْوَانٍ، وَفِي الْحَالَيْنِ مَعًا يَبْلُغُ مِنَ التَّأْثِيرِ مَبْلَغًا يُحَوِّلُ التَّلَقِّيَ إِلَى دَهْشَةٍ، وَالدَّهْشَةَ إِلَى إِعْجَابٍ، وَالْإِعْجَابَ إِلَى بَصِيرَةٍ.

وَالسِّرُّ الْأَعْظَمُ فِي هٰذِهِ الشَّخْصِيَّةِ الْفَذَّةِ أَنَّهَا لَا تَقُومُ عَلَى تَعَدُّدٍ بَارِدٍ لِلْمَوَاهِبِ، وَلَا عَلَى تَرَاكُمٍ صَامِتٍ لِلْخِصَالِ، بَلْ عَلَى تَآلُفٍ خَصِيبٍ تَنْتَظِمُ فِيهِ الْقُوَى، وَتَتَوَحَّدُ فِيهِ الْمَسَالِكُ، وَيَنْصَهِرُ فِيهِ الْمُخْتَلِفُ حَتَّى يَغْدُوَ وَاحِدًا فِي الْمَظْهَرِ، وَاحِدًا فِي الْجَوْهَرِ. فَلَيْسَ الطِّبُّ عِنْدَهُ بَابًا، وَلَا الْأَدَبُ بَابًا آخَرَ، وَلَا الْفَنُّ بَابًا ثَالِثًا، بَلْ هِيَ جَمِيعًا أَنْهَارٌ تَنْحَدِرُ إِلَى بَحْرٍ وَاحِدٍ، وَأَغْصَانٌ تَرْتَفِعُ مِنْ جِذْعٍ وَاحِدٍ، وَأَنْوَارٌ تَفِيضُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ. فَعِلْمُهُ مُمَازَجٌ بِالْحِكْمَةِ، وَحِكْمَتُهُ مَصُوغَةٌ بِالذَّوْقِ، وَذَوْقُهُ مُؤَسَّسٌ عَلَى فِكْرٍ، وَفِكْرُهُ مُزَيَّنٌ بِوِجْدَانٍ، حَتَّى غَدَتْ شَخْصِيَّتُهُ بُنْيَانًا مَتِينًا يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَصَرْحًا سَامِقًا يَسْتَمِدُّ أَعْلَاهُ قُوَّتَهُ مِنْ أَدْنَاهُ، وَتَاجًا بَهِيًّا تَأْتَلِفُ فِي جَوْهَرِهِ الدُّرَرُ عَلَى تَبَايُنِ أَلْوَانِهَا وَتَفَاوُتِ أَشْكَالِهَا.

وَمِنْ هُنَا لَمْ تَكُنْ مَسِيرَتُهُ مَسِيرَةَ نَجَاحٍ يَمُرُّ، وَلَا رِحْلَةَ تَمَيُّزٍ تَنْقَضِي، بَلْ كَانَتْ ارْتِقَاءً مُتَّصِلًا نَحْوَ كَمَالِ التَّشَكُّلِ، وَتَشْيِيدًا مُتَدَرِّجًا لِبُنْيَانِ الْقِيمَةِ، وَصُعُودًا رَزِينًا نَحْوَ ذُرًى تَسْمُو وَلَا تَخْفُتُ. لَمْ يَقْنَعْ بِأَنْ يَكُونَ نَاجِحًا، بَلْ تَطَلَّعَ إِلَى أَنْ يَكُونَ مُتَفَرِّدًا؛ وَلَمْ يَرْضَ بِأَنْ يَكُونَ مُجِيدًا، بَلْ طَمَحَ إِلَى أَنْ يَكُونَ جَامِعًا؛ وَلَمْ يَطْمَئِنَّ إِلَى أَنْ يَكُونَ ذَا مَوْهِبَةٍ، بَلْ جَعَلَ غَايَتَهُ أَنْ يَكُونَ ذَا شَخْصِيَّةٍ مُكْتَمِلَةٍ، تَتَآخَى فِيهَا الْمَوْهِبَةُ وَالْمِهْنَةُ، وَيَتَعَانَقُ فِيهَا الْعِلْمُ وَالْإِلْهَامُ، وَيَتَوَاشَجُ فِيهَا التَّفْكِيرُ وَالتَّصْوِيرُ، وَيَتَوَحَّدُ فِيهَا الْعَمَلُ وَالْجَمَالُ، حَتَّى تَغْدُوَ الذَّاتُ فِيهَا وِحْدَةً كُبْرَى، لَا تَفَرُّقَ فِي جَوَانِبِهَا، وَلَا وَهْنَ فِي مَفَاصِلِهَا، وَلَا اخْتِلَالَ فِي نِظَامِهَا. فَهُوَ، فِي جُمْلَةِ الْأَمْرِ، لَيْسَ اسْمًا يُكْتَبُ فَحَسْبُ، بَلْ أُفُقًا يُتَأَمَّلُ؛ وَلَيْسَ سِيرَةً تُرْوَى فَحَسْبُ، بَلْ لَوْحَةً مُذَهَّبَةَ الْحَوَاشِي، مُشْرِقَةَ الْأَلْوَانِ، عَمِيقَةَ الظِّلَالِ؛ وَلَيْسَ رَجُلًا جَمَعَ بَيْنَ فُنُونٍ مُخْتَلِفَةٍ فَحَسْبُ، بَلْ رَجُلًا صَنَعَ مِنِ اخْتِلَافِهَا انْسِجَامًا، وَمِنْ تَفَرُّقِهَا نِظَامًا، حَتَّى غَدَا فِي سِيرَتِهِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ، إِذَا سَمَتْ هِمَّتُهُ، وَصَفَا ذَوْقُهُ، وَاتَّسَعَ عَقْلُهُ، وَرَسَخَ سَعْيُهُ، أَمْكَنَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ جَلَالِ الْعِلْمِ وَجَمَالِ الْفَنِّ، وَبَيْنَ دِقَّةِ الصَّنْعَةِ وَرَوْعَةِ الصُّورَةِ، وَبَيْنَ مَهَابَةِ الْمَقَامِ وَحَلَاوَةِ الْأَثَرِ.

وَحَقٌّ لِمِثْلِ هٰذِهِ الْقَامَةِ أَنْ تُكْتَبَ سِيرَتُهَا بِمِدَادِ الْإِجْلَالِ، لَا بِحِبْرِ الْوَصْفِ الْعَابِرِ، وَأَنْ تُصَاغَ بِسَبْكٍ يَلِيقُ بِهَا، لَا بِعِبَارَةٍ تَقِفُ دُونَهَا؛ لِأَنَّنَا أَمَامَ شَخْصِيَّةٍ لَا تُذْكَرُ فَتُمْدَحُ فَحَسْبُ، بَلْ تُذْكَرُ فَيُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى مَعْنَى التَّكَامُلِ، وَتُسَاقُ فَيُسْتَشْهَدُ بِهَا عَلَى جَلَالِ الْمَوْهِبَةِ، وَتُتَأَمَّلُ فَيَتَبَيَّنُ فِيهَا كَيْفَ يَرْتَقِي الْإِنْسَانُ مِنْ حُدُودِ الِاخْتِصَاصِ إِلَى سَعَةِ الْمَقْصِدِ، وَمِنْ مُجَرَّدِ النَّجَاحِ إِلَى شَرَفِ الْأَثَرِ، وَمِنْ حُصُولِ الْإِجَادَةِ إِلَى مَقَامِ الْفَرَادَةِ.

فَالْأَدِيبُ الْمُؤَلِّفُ يُوسُفُ أَحْمَدُ الْمِيعَارِيُّ قَامَةٌ، إِذَا حَضَرَ الْعِلْمُ، كَانَ لَهُ فِيهِ وَقَارُهُ، وَإِذَا حَضَرَ الْأَدَبُ كَانَ لَهُ فِيهِ بَهَاؤُهُ، وَإِذَا حَضَرَ الشِّعْرُ كَانَ لَهُ فِيهِ أَلَقُهُ، وَإِذَا حَضَرَ الْفَنُّ كَانَ لَهُ فِيهِ سِحْرُهُ؛ فَهُوَ فِي الْمَجْمُوعِ شَخْصِيَّةٌ يُتَوِّجُهَا الْعِلْمُ، وَتَزْدَانُ بِالْمَوْهِبَةِ، وَتَرْسُخُ بِالْخِبْرَةِ، وَتَتَجَلَّلُ بِالْهَيْبَةِ. وَإِذَا جَازَ فِي الْبَيَانِ أَنْ يُقَالَ فِي بَعْضِ الرِّجَالِ إِنَّهُمْ نُسَخٌ مُكَرَّرَةٌ مِنَ الْمَأْلُوفِ، فَإِنَّ الْحَقَّ فِي هٰذَا الرَّجُلِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ طِرَازٌ رَفِيعٌ، وَنَسْجٌ بَدِيعٌ، وَمِثَالٌ مُشْرِقٌ، وَمَعْدِنٌ أَصِيلٌ، وَجَوْهَرٌ نَفِيسٌ، وَخُلُقٌ كَرِيمٌ، وَمَسْلَكٌ قَوِيمٌ، وَمَنْهَجٌ سَدِيدٌ، وَأَثَرٌ بَاقٍ، وَذِكْرٌ عَاطِرٌ، يَعِزُّ نَظِيرُهُ، وَلَا يَهُونُ قَدْرُهُ، وَلَا يَمُرُّ ذِكْرُهُ مَرَّ الْعَابِرِينَ.

التَّكْوِينُ الْأَكَادِيمِيُّ وَالْعِلْمِيُّ

يَقُومُ التَّكْوِينُ الْأَكَادِيمِيُّ وَالْعِلْمِيُّ لِلْأَدِيبِ الْمُؤَلِّفِ يُوسُفَ أَحْمَدَ الْمِيعَارِيِّ عَلَى أَسَاسٍ رَاسِخٍ مِنَ التَّحْصِيلِ الْمُنَظَّمِ، وَالتَّخَصُّصِ الْمُتَعَدِّدِ، وَالِامْتِدَادِ الْمَعْرِفِيِّ الَّذِي جَمَعَ بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْعِلَاجِ، وَبَيْنَ الْإِدَارَةِ وَالتَّنْمِيَةِ، فَجَاءَتْ مَسِيرَتُهُ الْعِلْمِيَّةُ صُورَةً لِاجْتِهَادٍ مُتَّصِلٍ، وَبِنَاءٍ مَعْرِفِيٍّ مُتَرَاكِبٍ، وَرُؤْيَةٍ لَا تَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ وَاحِدٍ مِنْ حُدُودِ الِاخْتِصَاصِ.

فَقَدْ نَالَ دَرَجَةَ الدُّكْتُورَاهِ فِي الصِّحَّةِ الْعَامَّةِ، مُقْتَرِنَةً بِتَخَصُّصٍ دَقِيقٍ فِي الطِّبِّ الطَّبِيعِيِّ التَّكْمِيلِيِّ وَالطِّبِّ النَّبَاتِيِّ، كَمَا حَازَ لَقَبَ بُرُوفِيسُورٍ فِي الطِّبِّ الطَّبِيعِيِّ النَّبَاتِيِّ، وَنَالَ دَرَجَةَ دُكْتُورَاهٍ أُخْرَى فِي فَلْسَفَةِ الْعِلَاجِ الطَّبِيعِيِّ، وَهُوَ مَا يَدُلُّ عَلَى عُمْقِ عِنَايَتِهِ بِالْأُسُسِ النَّظَرِيَّةِ وَالتَّطْبِيقِيَّةِ لِلْعِلَاجِ، وَعَلَى سَعْيِهِ إِلَى إِحْكَامِ الصِّلَةِ بَيْنَ الْمَعْرِفَةِ الطِّبِّيَّةِ وَأُفُقِهَا الْفَلْسَفِيِّ.

وَفِي مَيْدَانِ الْإِدَارَةِ وَالتَّنْمِيَةِ الْبَشَرِيَّةِ، تَوَسَّعَ تَكْوِينُهُ تَوَسُّعًا لَافِتًا، حَيْثُ نَالَ دُكْتُورَاهًا فِي إِدَارَةِ الْأَعْمَالِ وَالْمَوَارِدِ الْبَشَرِيَّةِ، وَمَاجِسْتِيرًا بَاحِثًا فِي التَّنْمِيَةِ الْبَشَرِيَّةِ، كَمَا حَصَلَ عَلَى دِبْلُومٍ فِي الْمَوَارِدِ وَالتَّنْمِيَةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَدِبْلُومٍ فِي الْقُوَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ، وَدِبْلُومٍ فِي قُوَّةِ الطَّاقَةِ الْبَشَرِيَّةِ، فَاجْتَمَعَ لَهُ بِذٰلِكَ تَكْوِينٌ يَمْزُجُ بَيْنَ الْإِدَارَةِ بِمَعْنَاهَا التَّنْظِيمِيِّ، وَالتَّنْمِيَةِ بِمَدْلُولِهَا الْإِنْسَانِيِّ، فِي نَسَقٍ يَشْهَدُ بِاتِّسَاعِ الْأُفُقِ وَتَعَدُّدِ الْأَدَوَاتِ.

وَلَمْ يَقِفْ هٰذَا التَّأَهُّلُ عِنْدَ حُدُودِ التَّحْصِيلِ النَّظَرِيِّ، بَلْ تَوَلَّى مَهَامَّ مِهَنِيَّةً وَاسْتِشَارِيَّةً وَتَطْوِيرِيَّةً، حَيْثُ عَمِلَ مُسْتَشَارًا أُسَرِيًّا، وَأَخِصَّائِيًّا فِي الصِّحَّةِ النَّفْسِيَّةِ، كَمَا نَهَضَ بِمَهَامِّ مُسْتَشَارٍ قَانُونِيٍّ، وَمُدَرِّبِ مُدَرِّبِينَ فِي مَجَالِ الِاسْتِشَارَاتِ الْإِدَارِيَّةِ وَالْمَوَارِدِ الْبَشَرِيَّةِ، وَهُوَ مَا يُبْرِزُ بُعْدَهُ التَّطْبِيقِيَّ، وَيُؤَكِّدُ أَنَّ تَجْرِبَتَهُ لَمْ تَكُنْ حَبِيسَةَ الْقَاعَاتِ وَالشَّهَادَاتِ، بَلْ مُمْتَدَّةً إِلَى مَيَادِينِ الْمُمَارَسَةِ وَالْإِفَادَةِ وَالتَّأْثِيرِ.

وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ هٰذَا التَّكْوِينَ الْأَكَادِيمِيَّ وَالْعِلْمِيَّ لَا يَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ الْمُؤَهِّلَاتِ فَحَسْبُ، بَلْ يَكْشِفُ عَنْ شَخْصِيَّةٍ جَعَلَتْ مِنَ التَّحْصِيلِ مَسَارًا، وَمِنَ الْمَعْرِفَةِ بِنَاءً، وَمِنَ التَّخَصُّصِ جِسْرًا إِلَى فَهْمٍ أَوْسَعَ لِلْإِنْسَانِ، فِي صِحَّتِهِ، وَإِدَارَتِهِ، وَوَعْيِهِ، وَطَاقَتِهِ، وَقُدْرَتِهِ عَلَى التَّطَوُّرِ وَالِارْتِقَاءِ.

إِلَى رَأْسِ الصَّفْحَةِ

الْإِنْجَازَاتُ الطِّبِّيَّةُ وَالْعِلَاجِيَّةُ

اشْتُهِرَ الْأَدِيبُ الْمُؤَلِّفُ يُوسُفُ أَحْمَدُ الْمِيعَارِيُّ بِتَخَصُّصِهِ فِي عِلَاجِ السَّرَطَانِ وَالْأَمْرَاضِ الْمُزْمِنَةِ، مُوَفِّقًا بَيْنَ حَدَاثَةِ الْمَنْهَجِ الطِّبِّيِّ، وَرُسُوخِ أُصُولِ الطِّبِّ الْبَدِيلِ وَالْعِلَاجِ النَّبَاتِيِّ الْقَدِيمِ. وَقَدْ أَسَّسَ مَرْكَزًا طِبِّيًّا فِي أُوكْرَانِيَا لِلْأَبْحَاثِ وَالدِّرَاسَاتِ، يَنْهَضُ بِتَقْدِيمِ الِاسْتِشَارَاتِ وَالْعِلَاجَاتِ لِحَالَاتٍ مُعَقَّدَةٍ، مِنْهَا السَّرَطَانُ، وَالتَّصَلُّبُ اللُّوَيْحِيُّ، وَالسُّكَّرِيُّ، وَالْأَمْرَاضُ الْعَصَبِيَّةُ.

كَمَا نَالَ الْمِيدَالِيَّةَ الذَّهَبِيَّةَ فِي الطِّبِّ الْإِنْجَابِيِّ، وَانْتَسَبَ إِلَى نُخْبَةٍ مِنَ الْمُنَظَّمَاتِ وَالْهَيْئَاتِ الْأَكَادِيمِيَّةِ الدَّوْلِيَّةِ الْمَرْمُوقَةِ، مِنْهَا:

  • الرَّابِطَةُ الدَّوْلِيَّةُ لِلطِّبِّ الْبَدِيلِ.
  • الْأَكَادِيمِيَّةُ الدَّوْلِيَّةُ لِلطِّبِّ الطَّبِيعِيِّ.
  • الِاتِّحَادُ الْعَامُّ لِلْأُدَبَاءِ وَالْكُتَّابِ الْعَرَبِ.

إِلَى رَأْسِ الصَّفْحَةِ

الْإِنْجَازَاتُ الْأَدَبِيَّةُ وَالْفِكْرِيَّةُ

يَحْمِلُ الْأَدِيبُ الْمُؤَلِّفُ يُوسُفُ أَحْمَدُ الْمِيعَارِيُّ دَرَجَةَ الدُّكْتُورَاهِ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَآدَابِهَا، وَيُعَدُّ مِنَ الْأَصْوَاتِ الشِّعْرِيَّةِ وَالْفِكْرِيَّةِ الْبَارِزَةِ فِي عَصْرِهِ، إِذْ جَمَعَ فِي أُسْلُوبِهِ بَيْنَ جَزَالَةِ التُّرَاثِ وَحَيَوِيَّةِ الْعَصْرِ. وَهُوَ عُضْوٌ فِي الِاتِّحَادِ الْعَامِّ لِلْأُدَبَاءِ وَالْكُتَّابِ الْعَرَبِ، وَقَدْ تُرْجِمَتْ أَعْمَالُهُ إِلَى عِدَّةِ لُغَاتٍ، وَتَرَكَ بَصْمَةً وَاضِحَةً فِي مَيَادِينِ الْأَدَبِ وَالشِّعْرِ وَالْفِكْرِ الْإِنْسَانِيِّ، تَشْهَدُ لَهُ بِأُصُولِ الْبَيَانِ وَعُمْقِ الرُّؤْيَا.

إِلَى رَأْسِ الصَّفْحَةِ

الْمُؤَلَّفَاتُ الْأَدَبِيَّةُ

صورة شخصية للدكتور يوسف أحمد الميعاري بقميص أبيض وربطة عنق زرقاء
  1. تَجَلِّيَاتُ الْأُبُوَّةِ فِي صَمْتِ الْحَيَاةِ
  2. مَفَاتِيحُ الْوُدِّ فِي أَقْفَالِ الْحَيَاةِ
  3. فِي مَدَائِنِ الْإِخْلَاصِ يَسْكُنُ الْقُرْبُ
  4. فِي سُكُونِ الْكَلِمَاتِ تَتَكَلَّمُ الْقُلُوبُ
  5. دُسْتُورِي… مِيزَانُ قَلْبٍ وَمَنْهَجُ حَيَاةٍ
  6. نَحْنُ أَصْلُ الْحِكَايَةِ
  7. مِنْ بَيْنِ السُّطُورِ… تَنْبِضُ الرُّؤْيَا
  8. فِي حَضْرَةِ الصَّمْتِ
  9. فِي رِحَابِ الْحُرِّيَّةِ
  10. عَلَى جِدَارِ الزَّمَنِ
  11. كَلِمَةُ عَهْدٍ وَرَايَةُ قُرْبٍ
  12. نَهْرُ الْعِشْقِ وَبَحْرُ الْغَرَامِ
  13. سُمُوُّ الْعَاطِفَةِ وَسِيَادَةُ الْحُبِّ
  14. جُمْهُورِيَّةُ الْأَقْنِعَةِ، الْجُزْءُ الْأَوَّلُ قَيْدُ الصُّدُورِ
  15. جُمْهُورِيَّةُ الْأَقْنِعَةِ، الْجُزْءُ الثَّانِي قَيْدُ الصُّدُورِ
  16. هَيْبَةُ الْمَعْنَى فِي الْقُرْآنِ، الْجُزْءُ الْأَوَّلُ قَيْدُ الصُّدُورِ
  17. مَا نَتْرُكُهُ لِنَنْجُوَ قَيْدُ الصُّدُورِ

إِلَى رَأْسِ الصَّفْحَةِ

الدِّبْلُومَاسِيَّةُ الدَّوْلِيَّةُ

يُعْتَبَرُ الدُّكْتُورُ يُوسُفُ مِنَ الشَّخْصِيَّاتِ البَارِزَةِ فِي مَجَالِ الدِّبْلُومَاسِيَّةِ الدَّوْلِيَّةِ؛ إِذْ جَمَعَ بَيْنَ رَصَانَةِ العِلْمِ وَسُمُوِّ الفِكْرِ، فَكَانَ صَوْتُهُ حَاضِرًا فِي المُؤْتَمَرَاتِ، مُدَافِعًا عَنِ العَدَالَةِ وَالكَرَامَةِ، وَبَانِيًا جُسُورَ الحِوَارِ بَيْنَ الشُّعُوبِ. وَتُجَسِّدُ تَجْرِبَتُهُ صُورَةَ المُفَكِّرِ العَالَمِيِّ الَّذِي لَا تَحْجُبُهُ الحُدُودُ، بَلْ يُسْهِمُ فِي وَعْيِ الإِنْسَانِيَّةِ.

إِلَى رَأْسِ الصَّفْحَةِ

الْقُدُرَاتُ اللُّغَوِيَّةُ وَالْفَنِّيَّةُ

اللُّغَاتُ

يُتْقِنُ خَمْسَ لُغَاتٍ، هِيَ: الْعَرَبِيَّةُ، وَالرُّوسِيَّةُ، وَالْأُوكْرَانِيَّةُ، وَالْأَلْمَانِيَّةُ، وَالْإِيطَالِيَّةُ.

الْفَنُّ وَالرِّيَاضَةُ

وَإِلَى جَانِبِ طِبِّهِ وَأَدَبِهِ، فَهُوَ فَنَّانٌ تَشْكِيلِيٌّ وَرِيَاضِيٌّ، يُوَظِّفُ الرَّسْمَ وَالرِّيَاضَةَ فِي إِطَارٍ مُتَكَامِلٍ يُعَزِّزُ التَّرْكِيزَ وَيُرَسِّخُ الِاتِّزَانَ النَّفْسِيَّ، جَامِعًا بَيْنَ الْقُوَّةِ الْجَسَدِيَّةِ وَالْخَيَالِ الْفَنِّيِّ، وَبَيْنَ انْضِبَاطِ الْحَرَكَةِ وَرَهَافَةِ الْإِحْسَاسِ.

وَبِهٰذِهِ الْمَسِيرَةِ الْحَافِلَةِ، يَنْكَشِفُ لِلنَّاظِرِ أَنَّ الْأَدِيبَ الْمُؤَلِّفَ يُوسُفَ أَحْمَدَ الْمِيعَارِيَّ لَمْ يَجْعَلِ الْعِلْمَ زَادًا لِلْعَقْلِ فَحَسْبُ، وَلَا الْفَنَّ زِينَةً لِلرُّوحِ وَحْدَهَا، بَلْ جَعَلَ مِنْهُمَا جَنَاحَيْنِ يُحَلِّقُ بِهِمَا الْإِنْسَانُ فِي مَدَارِجِ الْإِبْدَاعِ وَالْإِصْلَاحِ، وَفِي مَعَارِجِ الْمَعْنَى وَالْأَثَرِ. وَمَا الْجَمْعُ بَيْنَ الطِّبِّ وَالْفِكْرِ، وَبَيْنَ الْقَلَمِ وَالرِّيشَةِ، عِنْدَهُ تَرَفًا يُتَجَمَّلُ بِهِ، وَلَا هِوَايَةً يُسْتَظَلُّ بِهَا، بَلْ هُوَ مِيثَاقُ رُوحٍ، وَيَقِينُ نَفْسٍ آثَرَتْ أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ نُورِ الْبَصِيرَةِ وَبَهَاءِ الصُّورَةِ، وَبَيْنَ جَلَالِ الْحَقِيقَةِ وَجَمَالِ التَّعْبِيرِ. فَإِذَا الْعِلْمُ فِي يَدِهِ يَلِينُ بَعْدَ صَلَابَتِهِ، وَإِذَا الْفَنُّ فِي رُؤْيَاهُ يَنْضَبِطُ بَعْدَ تَشَظِّيهِ؛ حَتَّى يَلْتَقِيَا فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ، تَتَصَالَحُ فِيهِ الدِّقَّةُ مَعَ الْجَمَالِ، وَيَأْتَلِفُ فِيهِ الْعَقْلُ مَعَ الذَّائِقَةِ، وَيَأْتَلِفَانِ فِي أُفُقٍ وَاحِدٍ، حَتَّى يَغْدُوَ الْعَقْلُ عِنْدَهُ مُشْرِقًا لَا يَخْبُو، وَالْقَلْبُ مُرْهَفًا لَا يَقْسُو، وَالْأَثَرُ مُقِيمًا لَا يَنْقَطِعُ، وَالذِّكْرُ مُتَجَدِّدًا لَا يَبْلَى. وَحِينَئِذٍ تَغْدُو سِيرَتُهُ لَا خَبَرًا يُرْوَى، بَلْ مَعْنًى يُحْتَذَى، وَلَا كَلِمَةً تُقَالُ، بَلْ قِيمَةً تُشَيِّدُ مَعْنَى الْحَيَاةِ، وَرُؤْيَا تُوقِدُ الْوَعْيَ، وَأُسْوَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ، إِذَا صَدَقَ فِي بِنَاءِ ذَاتِهِ، اسْتَطَاعَ أَنْ يَجْعَلَ مِنْ عِلْمِهِ رَحْمَةً، وَمِنْ فَنِّهِ حِكْمَةً، وَمِنْ حَيَاتِهِ أَثَرًا يَبْقَى.

إِلَى رَأْسِ الصَّفْحَةِ

رَوَافِدُ تَكْوِينِهِ الْمَعْرِفِيِّ وَمَنْهَجُهُ فِي الْقِرَاءَةِ

لَا تُقَاسُ ثَمَرَةُ الْقِرَاءَةِ بِكَثْرَةِ الصَّفَحَاتِ الَّتِي نَطْوِيهَا، بَلْ بِعُمْقِ الْمَعَانِي الَّتِي نَفْهَمُهَا، وَدِقَّةِ الْمَعَارِفِ الَّتِي نَكْتَسِبُهَا، وَسَلَامَةِ الْأَحْكَامِ الَّتِي نَبْنِيهَا. وَقَدِ اطَّلَعْتُ عَلَى هٰذِهِ الْكُتُبِ اطِّلَاعًا كَامِلًا، وَتَأَمَّلْتُ مَا حَوَتْهُ مِنْ مَعَارِفَ وَمَنَاهِجَ وَتَجَارِبَ، وَتَأَثَّرْتُ بِكَثِيرٍ مِمَّا وَجَدْتُ فِيهَا مِنْ دِقَّةِ الْبَحْثِ، وَسَعَةِ النَّظَرِ، وَجَمَالِ الْبَيَانِ، وَعُمْقِ تَصْوِيرِ الْإِنْسَانِ وَالْحَيَاةِ.

غَيْرَ أَنَّ الِاطِّلَاعَ لَا يَعْنِي الْإِقْرَارَ، وَالتَّأَثُّرَ لَا يَقْتَضِي التَّبَنِّيَ؛ فَلَيْسَ كُلُّ مَا يُقْرَأُ يُقْبَلُ، وَلَا كُلُّ مَا يَجْمُلُ لَفْظُهُ يَصِحُّ مَعْنَاهُ. وَذِكْرِي لِهٰذِهِ الْكُتُبِ لَا يُعَدُّ تَزْكِيَةً لِجَمِيعِ مَضَامِينِهَا، وَلَا مُوَافَقَةً عَلَى كُلِّ مَا وَرَدَ فِيهَا مِنْ أَلْفَاظٍ وَآرَاءٍ وَتَصَوُّرَاتٍ. وَمَا خَالَفَ عَقِيدَتِي وَمَبَادِئِي أَرْفُضُهُ وَلَا آخُذُ بِهِ؛ فَلَا تَجْعَلُ شُهْرَةُ الْقَائِلِ قَوْلَهُ حَقًّا، وَلَا يَجْعَلُ حُسْنُ الصِّيَاغَةِ الْخَطَأَ صَوَابًا.

وَهٰذَا مَنْهَجِي فِي قِرَاءَةِ الْكُتُبِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْأَجْنَبِيَّةِ، وَأُؤَكِّدُ خُصُوصًا أَنَّ انْتِفَاعِي بِالْكُتُبِ الْأَجْنَبِيَّةِ لَا يَعْنِي قَبُولَ مَا فِيهَا مِمَّا يُخَالِفُ عَقِيدَتَنَا وَقِيَمَنَا وَعَادَاتِنَا وَتَقَالِيدَنَا الْحَمِيدَةَ؛ فَمَعْرِفَةُ الرَّأْيِ شَيْءٌ، وَالْأَخْذُ بِهِ شَيْءٌ آخَرُ.

إِنَّمَا أَقْرَأُ لِأَفْهَمَ وَأُمَيِّزَ، وَأَنْتَفِعَ بِالصَّوَابِ، وَأَرُدَّ الْخَطَأَ، وَأَزْدَادَ مَعْرِفَةً مَعَ الثَّبَاتِ عَلَى مَبَادِئِي. وَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَالْقِرَاءَةُ الْوَاعِيَةُ إِحْدَى وَسَائِلِهِ؛ غَيْرَ أَنَّ مُجَرَّدَ الِاطِّلَاعِ لَا يَكْفِي لِإِتْقَانِ عِلْمٍ أَوِ التَّأَهُّلِ فِيهِ. فَمِنْ مُطَالَعَاتِي مَا أَقْصِدُ بِهِ الدِّرَاسَةَ وَالتَّعَلُّمَ، وَمِنْهَا مَا أَقْصِدُ بِهِ الِاسْتِئْنَاسَ وَتَوْسِيعَ الْمَدَارِكِ. أَمَّا الرُّسُوخُ فِي الْعِلْمِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى تَعَلُّمٍ مُنَظَّمٍ، وَفَهْمٍ دَقِيقٍ، وَمُرَاجَعَةٍ مُتَأَنِّيَةٍ، وَرُجُوعٍ إِلَى أَهْلِ الِاخْتِصَاصِ فِيمَا يُشْكِلُ؛ فَالْعِبْرَةُ بِصِحَّةِ الْفَهْمِ، لَا بِكَثْرَةِ النَّقْلِ، وَبِإِتْقَانِ الْمَعْرِفَةِ، لَا بِتَعْدَادِ الْكُتُبِ.

وَمِنْ هٰذِهِ الْكُتُبِ:

  • إِتْحَافُ السَّادَةِ الْمُتَّقِينَ بِشَرْحِ إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِلِمُحَمَّدٍ مُرْتَضَى الْحُسَيْنِيِّ الزَّبِيدِيِّ
  • تَاجُ الْعَرُوسِ مِنْ جَوَاهِرِ الْقَامُوسِلِمُحَمَّدٍ مُرْتَضَى الْحُسَيْنِيِّ الزَّبِيدِيِّ
  • الْقَامُوسُ الْمُحِيطُلِمَجْدِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْفَيْرُوزَآبَادِيِّ الشِّيرَازِيِّ
  • بَصَائِرُ ذَوِي التَّمْيِيزِ فِي لَطَائِفِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِلِمَجْدِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْفَيْرُوزَآبَادِيِّ
  • الْبُلْغَةُ فِي تَرَاجِمِ أَئِمَّةِ النَّحْوِ وَاللُّغَةِلِمَجْدِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْفَيْرُوزَآبَادِيِّ
  • الْبُرْهَانُ فِي عُلُومِ الْقُرْآنِلِبَدْرِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الزَّرْكَشِيِّ
  • الْبَحْرُ الْمُحِيطُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِلِبَدْرِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الزَّرْكَشِيِّ
  • الْمَنْثُورُ فِي الْقَوَاعِدِلِبَدْرِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الزَّرْكَشِيِّ
  • إِعْلَامُ السَّاجِدِ بِأَحْكَامِ الْمَسَاجِدِلِبَدْرِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الزَّرْكَشِيِّ
  • الْإِتْقَانُ فِي عُلُومِ الْقُرْآنِلِجَلَالِ الدِّينِ عَبْدِ الرَّحْمٰنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيِّ
  • الدُّرُّ الْمَنْثُورُ فِي التَّفْسِيرِ بِالْمَأْثُورِلِجَلَالِ الدِّينِ عَبْدِ الرَّحْمٰنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيِّ
  • الْمُزْهِرُ فِي عُلُومِ اللُّغَةِ وَأَنْوَاعِهَالِجَلَالِ الدِّينِ عَبْدِ الرَّحْمٰنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيِّ
  • إِحْيَاءُ عُلُومِ الدِّينِلِأَبِي حَامِدٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغَزَالِيِّ
  • الْمُسْتَصْفَى مِنْ عِلْمِ الْأُصُولِلِأَبِي حَامِدٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغَزَالِيِّ
  • الِاقْتِصَادُ فِي الِاعْتِقَادِلِأَبِي حَامِدٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغَزَالِيِّ
  • الْمِنْهَاجُ شَرْحُ صَحِيحِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِلِأَبِي زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنِ شَرَفٍ النَّوَوِيِّ
  • رِيَاضُ الصَّالِحِينَلِأَبِي زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنِ شَرَفٍ النَّوَوِيِّ
  • الْأَذْكَارُلِأَبِي زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنِ شَرَفٍ النَّوَوِيِّ
  • فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّلِأَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ
  • الْإِصَابَةُ فِي تَمْيِيزِ الصَّحَابَةِلِأَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ
  • جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِلِأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ
  • الْجَامِعُ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِلِأَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيِّ
  • مُفْرَدَاتُ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِلِأَبِي الْقَاسِمِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، الْمَعْرُوفِ بِالرَّاغِبِ الْأَصْفَهَانِيِّ
  • الشِّفَا بِتَعْرِيفِ حُقُوقِ الْمُصْطَفَىلِلْقَاضِي أَبِي الْفَضْلِ عِيَاضِ بْنِ مُوسَى الْيَحْصُبِيِّ
  • Чорна радаПантелеймон Куліш
  • Перехресні стежкиІван Франко
  • КассандраЛеся Українка
  • Тіні забутих предківМихайло Коцюбинський
  • Захар БеркутІван Франко
  • DecameronGiovanni Boccaccio
  • Le città invisibiliItalo Calvino
  • Se questo è un uomoPrimo Levi
  • Homo faberMax Frisch
  • Die PhysikerFriedrich Dürrenmatt
  • Nineteen Eighty-FourGeorge Orwell
  • A Room of One’s OwnVirginia Woolf

إِلَى رَأْسِ الصَّفْحَةِ