
سُمُوُّ الْعَاطِفَةِ وَسِيَادَةُ الْحُبِّ
حِينَ يَكُونُ الْحُبُّ وَعْيًا… لَا انْدِفَاعًا
كِتَابُ «سُمُوُّ الْعَاطِفَةِ وَسِيَادَةُ الْحُبِّ» لِلدُّكْتُورِ يُوسُفَ أَحْمَدَ الْمِيعَارِيِّ.
نَبْضٌ بَيْنَ دَفَّتَيْنِ
إِلَى الْكَلِمَةِ؛ لَا حِينَ تُقَالُ، بَلْ حِينَ تَسْتَدْعِي ذَاتَهَا اسْتِدْعَاءً، وَتَنْهَضُ مِنْ صَمْتِهَا نُهُوضَ الْحَتْمِ، لَا مِنْ تَرَاخِي الْعَادَةِ. إِلَى الْكَلِمَةِ إِذَا خَرَجَتْ مِنْ فَمِ الزَّمَانِ مُثْقَلَةً بِتَجَارِبِهِ، مَحْمُولَةً بِأَسْئِلَتِهِ، لَا مِنْ فَمِ الِاعْتِيَادِ مُطْمَئِنَّةً. إِلَيْهَا حِينَ تَهْوِي عَلَى صَخْرَةِ الْمَعْنَى هُوِيَّ الْمِعْوَلِ، فَتَنْفَلِقُ الدَّلَالَةُ انْفِلَاقَ الْحَقِّ عَنِ الْبَاطِلِ؛ فَلَا تَرْتَدُّ صَدًى، وَلَا تَسْتَعِيرُ صُوَرًا مُسْتَهْلَكَةً، وَلَا تَسْتَأْنِسُ بِالزَّيْفِ.
إِلَى الْكَلِمَةِ إِذَا هَبَطَتْ عَلَى الْعَقْلِ هُبُوطَ الْمِطْرَقَةِ عَلَى السِّنْدَانِ، فَأَعَادَتْ صَهْرَهُ صَهْرًا، لَا تَجْمِيلًا؛ وَنَزَعَتِ الْوَهْمَ نَزْعًا، لَا مُدَارَاةً. فَهٰذَا كِتَابٌ لَا يُفْتَتَحُ، بَلْ يُقْتَحَمُ؛ وَلَا يُمَهِّدُ، بَلْ يُقِيمُ حُجَّتَهُ؛ وَلَا يَسْتَأْذِنُ، بَلْ يَثْبُتُ. يَثْبُتُ كَأَثَرٍ لَا يُمْحَى، وَكَشَقٍّ فِي خَرَائِطِ الْوِجْدَانِ لَا يَنْطَمِسُ؛ لَا لِيُزَيِّنَ الْمَسَارَ، بَلْ لِيَكْشِفَهُ؛ وَلَا لِيُوَاسِيَ الْقَارِئَ، بَلْ لِيُثْقِلَهُ بِالْمَعْنَى وَتَبِعَاتِهِ.
هُنَا تَبْدَأُ اللُّغَةُ مِنْ أَقْصَى تَوَتُّرِهَا، مِنْ حَافَّةٍ لَا رُجُوعَ بَعْدَهَا، وَمِنْ نُقْطَةٍ إِذَا نُطِقَ بَعْدَهَا الْقَوْلُ انْقَلَبَ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ. هُنَا تُكْتَبُ الْكَلِمَةُ كَعَهْدٍ، لَا كَعِبَارَةٍ؛ وَتُرْفَعُ رَايَةُ الْقُرْبِ تَبِعَةً تُحْمَلُ، لَا عُنْوَانًا يُقْرَأُ. لَيْسَتْ شِعَارًا يُلَوَّحُ بِهِ، بَلْ مِحَكًّا يُمَيَّزُ فِيهِ الصِّدْقُ مِنَ الزَّيْفِ، وَعَتَبَةً لَا يَعْبُرُهَا إِلَّا مَنْ قَبِلَ الْكُلْفَةَ وَوَعَى ثَمَنَهَا.
اقْرَأِ النَّصَّ كَامِلًا
وَفِي صُلْبِ هٰذَا الْكِتَابِ يَتَجَلَّى سُمُوُّ الْعَاطِفَةِ؛ لَا كَانْدِفَاعٍ أَعْمَى، بَلْ كَوَعْيٍ أَخْلَاقِيٍّ رَفِيعٍ؛ وَلَا كَهَيَامٍ طَارِئٍ، بَلْ كَسِيَادَةٍ لِلْحُبِّ عَلَى النَّفْسِ قَبْلَ غَيْرِهَا. هُنَا يَكُونُ الْحُبُّ قُوَّةً مُهَذَّبَةً، وَالْعَاطِفَةُ مِيزَانًا، وَالْقَلْبُ مَوْضِعَ أَمَانَةٍ، لَا سَاحَةَ اسْتِعْرَاضٍ. فَالْعَهْدُ إِمَّا أَنْ يَنْقَلِبَ وَفَاءً يَثْبُتُ عِنْدَ الْإِرْهَاقِ، أَوْ يَسْقُطَ فَضِيحَةً عِنْدَ الِاخْتِبَارِ؛ وَالرَّايَةُ إِمَّا أَنْ تُرْفَعَ رَابِطَةً قَلْبِيَّةً صَادِقَةً، أَوْ تُخْفَضَ ادِّعَاءً مُسْتَهْلَكًا.
إِلَى مَنْ عَلِمُوا أَنَّ الْحُبَّ إِذَا لَمْ يُمْتَحَنْ سَقَطَ، وَإِذَا لَمْ يُثْقَلْ بِالْوَفَاءِ انْفَلَتَ؛ وَأَنَّ الشَّوْقَ إِذَا لَمْ يُهَذَّبْ بِالثَّبَاتِ تَبَدَّدَ، وَإِذَا لَمْ يُقَيَّدْ بِالْعَهْدِ تَبَدَّلَ. إِلَى مَنْ يَغْرِسُونَ الرَّايَةَ فِي الصُّدُورِ قَبْلَ أَنْ يُقِيمُوهَا فِي السُّطُورِ، وَيُبْرِمُونَ الْمِيثَاقَ فِي الضَّمِيرِ قَبْلَ أَنْ يُشْهِرُوهُ فِي الْمَسِيرِ. هُنَا لَا تُقْرَأُ الْكَلِمَاتُ قِرَاءَةَ عُيُونٍ، بَلْ تُحْمَلُ حَمْلَ عُهُودٍ وَدُيُونٍ؛ فَالْكَلِمَةُ إِمَّا عَهْدٌ يَنْعَقِدُ فَيَنْعَقِدُ مَعَهُ الْقَلْبُ، أَوْ وَعْدٌ يَنْفَصِلُ فَيَنْفَصِلُ مَعَهُ الدَّرْبُ.
هٰذَا كِتَابٌ لَا يَلِينُ فَيَهُونُ، وَلَا يُدَاهِنُ فَيَخُونُ، وَلَا يَسْتَعِيرُ الْبَرِيقَ لِيَسْتُرَ الْحَقَّ؛ بَلْ يَأْتِي بِالْحَقِّ عُرْيَانًا مِنَ الزِّينَةِ، مُتَجَرِّدًا مِنَ الْمُسَاوَمَةِ، ثَقِيلًا كَالْحَجَرِ إِذَا وُضِعَ فِي مِيزَانِهِ، رَاسِخًا كَالْجَبَلِ إِذَا أُقِيمَ فِي مَكَانِهِ. لَا يَزِنُ اللَّفْظَ بِرَنِينِهِ، بَلْ يَزِنُهُ بِحَقِّهِ؛ وَلَا يُقِيمُ الصُّورَةَ لِبَهَائِهَا، بَلْ لِبَيَانِهَا؛ فَلَا مَجْدَ لِغُمُوضٍ يُرَاوِغُ، وَلَا فَضْلَ لِالْتِفَافٍ يُسَوِّغُ، وَلَا كَرَامَةَ لِفِكْرَةٍ تَلْمَعُ عَلَى السَّطْحِ وَتَخْبُو فِي الْعُمْقِ.
إِلَى مَنْ ضَجِرُوا لُغَةً تَعِدُ وَلَا تَفِي، وَتَدَّعِي وَلَا تَرْتَقِي، وَتَدُورُ حَوْلَ ذَاتِهَا فَلَا تَتَعَدَّى؛ يَأْتِي هٰذَا الْكِتَابُ بَيَانًا يَحْسِمُ وَلَا يَظْلِمُ، وَيَصِلُ وَلَا يَقْطَعُ، وَيُقِيمُ الْمِيزَانَ بَيْنَ الْقُوَّةِ وَالْإِحْسَانِ، وَبَيْنَ الْحَزْمِ وَالْأَمَانِ. صِدْقٌ إِذَا نُطِقَ أَلْزَمَ، وَإِذَا وُزِنَ أَقَامَ، وَإِذَا طُلِبَ مِنْهُ الْمَوْقِفُ تَقَدَّمَ وَلَمْ يُحْجِمْ.
وَإِلَى مَنْ سَيَأْتُونَ بَعْدَ انْفِضَاضِ الْجُمُوعِ، وَانْكِسَارِ الضَّجِيجِ، وَخُفُوتِ الْأَصْوَاتِ؛ حِينَ لَا يَبْقَى إِلَّا الْأَثَرُ شَاهِدًا، وَلَا يَثْبُتُ إِلَّا الْحَقُّ قَائِمًا؛ فَهٰذِهِ لَيْسَتْ صَفَحَاتٍ تُقْلَبُ، بَلْ مَوَاقِفُ تُطْلَبُ، وَلَيْسَتْ ذِكْرَى تُحْفَظُ، بَلْ ذِمَّةٌ تُعْرَفُ وَتُحْفَظُ. فَمَنْ دَخَلَ هٰذَا الْكِتَابَ دَخَلَ فِي عَهْدٍ لَا يُنْقَضُ، وَمِيثَاقٍ لَا يُنْتَقَضُ؛ أَنْ يَحْمِلَ الصِّدْقَ وِجْهَةً لَا زِينَةً، وَأَنْ يَرْفَعَ الْقُرْبَ أَمَانَةً لَا لَافِتَةً، وَأَنْ يَتَحَمَّلَ الشَّوْقَ ثَبَاتًا لَا نَزْوَةً، وَعَزْمًا لَا لَفْتَةً.
فَهُنَا الْكَلِمَةُ قَسَمٌ إِذَا أُبْرِمَ أُلْزِمَ، وَالْعَهْدُ مِيثَاقٌ إِذَا أُوثِقَ أُحْكِمَ، وَالرَّايَةُ أَمَانَةٌ إِذَا رُفِعَتْ سُئِلَتْ. وَمِنْ هُنَا يَبْدَأُ الْكِتَابُ شَرْطًا لَا يُؤَجَّلُ، وَحَدًّا لَا يُتَجَاوَزُ، وَطَرِيقًا لَا يَنْقَطِعُ: الْوُضُوحُ أَصْلٌ لَا يُهْمَلُ، وَالْوُقُوفُ حَزْمٌ لَا يُؤَجَّلُ، وَالصِّدْقُ نُورٌ إِذَا أَشْرَقَ أَحْرَقَ الزَّيْفَ وَأَزْهَقَ الزُّورَ؛ وَإِذَا غَابَ غَابَ مَعَهُ الْمَعْنَى، وَسَقَطَ الْمِيزَانُ، وَتَفَرَّقَ الْإِنْسَانُ.
وَمِنْ هٰذِهِ الْعَتَبَةِ تَنْتَقِلُ الْكَلِمَةُ مِنْ صَوْتٍ يُقَالُ ثُمَّ يُنْسَى، إِلَى أَثَرٍ يُقَامُ؛ وَمِنْ لَفْظٍ يُسْمَعُ ثُمَّ يَنْقَضِي، إِلَى مَعْلَمٍ يُرْسَمُ فِي الْوَعْيِ رَسْمًا لَا يُضَامُ. تَكُفُّ عَنْ أَنْ تَكُونَ زِينَةَ كَلَامٍ، وَتَصِيرُ نِظَامًا يُلْزِمُ الْإِلْزَامَ؛ تَنْقُلُ الْإِنْسَانَ مِنْ مَوْضِعِ الْمُشَاهَدَةِ إِلَى مَقَامِ الْقِيَامِ، وَمِنْ دَائِرَةِ التَّلَقِّي إِلَى سَاحَةِ الِالْتِزَامِ. فَلَا يُقَاسُ الْقَوْلُ بِحُسْنِ انْسِجَامِهِ، بَلْ بِقُدْرَتِهِ عَلَى إِحْدَاثِ انْعِطَافٍ فِي الْأَيَّامِ، وَعَلَى زَعْزَعَةِ سُكُونٍ تَسَتَّرَ بِاسْمِ الْحِكْمَةِ، وَهُوَ فِي حَقِيقَتِهِ اسْتِسْلَامٌ.
وَالْكَلِمَةُ هُنَا لَا تُجَامِلُ فَتُدَاهِنُ، وَلَا تُدَاوِرُ فَتُوَارِبُ، بَلْ تُوَاجِهُ فَتُصَرِّحُ، وَتُسَمِّي فَتُصَوِّبُ، وَتُقِيمُ الْحَقَّ فِي نِصَابِهِ إِقَامَةً لَا تَضَامُ. تَرْفُضُ لُغَةً تُخَدِّرُ فَتُنَوِّمُ، أَوْ تُزَيِّنُ فَتُزَيِّفُ، أَوْ تُسَوِّغُ فَتُسَوِّفُ؛ وَتَخْتَارُ لُغَةً تُوقِظُ فَتُحَرِّكُ، وَتُحَرِّكُ فَتُغَيِّرُ، وَتُغَيِّرُ فَتُقَرِّرُ.
وَإِذَا اسْتَقَرَّ هٰذَا الْفَهْمُ فِي الْوِجْدَانِ اسْتِقْرَارًا تَامًّا، تَحَوَّلَ الْعَهْدُ إِلَى نِظَامِ قِيَمٍ لَا يَقْبَلُ الِالْتِبَاسَ، وَلَا يَرْضَى بِالِانْقِسَامِ؛ وَصَارَتِ الرَّايَةُ مِعْيَارَ اسْتِقَامَةٍ لَا أَدَاةَ اسْتِعْرَاضٍ، وَدَلِيلَ اهْتِدَاءٍ لَا وَسِيلَةَ تَلْوِيحٍ. فَإِذَا حُسِمَ الِاتِّجَاهُ سَقَطَ عُذْرُ التَّرَدُّدِ، وَإِذَا وُضِّحَ الطَّرِيقُ انْكَشَفَتْ هَشَاشَةُ الْوُقُوفِ فِي الْمُنْتَصَفِ.
هُنَا تَصِيرُ اللُّغَةُ أَمَانَةً وَقَرَارًا وَمِيثَاقًا؛ يُسْأَلُ الْقَوْلُ عَنْ أَثَرِهِ، كَمَا يُسْأَلُ الْفِعْلُ عَنْ نَتِيجَتِهِ؛ وَيُحَاسَبُ الصَّمْتُ عَلَى مَوْقِفِهِ، كَمَا يُحَاسَبُ الْكَلَامُ عَلَى مَقْصِدِهِ. فَلَيْسَ الصَّمْتُ حِكْمَةً عَلَى الدَّوَامِ، وَلَا الْكَلَامُ خِفَّةً عَلَى الِاتِّهَامِ؛ بَلِ الْمِيزَانُ مَوْقِفٌ يُتَّخَذُ، وَثَمَنٌ يُدْفَعُ، وَعَهْدٌ يُحْفَظُ.
إِنَّ الْقُرْبَ فِي هٰذَا السِّيَاقِ لَا يُقَاسُ بِالْمَكَانِ، بَلْ بِالْمَوْقِفِ؛ وَلَا يُعْرَفُ بِالشِّعَارِ، بَلْ بِالِالْتِزَامِ. يَتَسَاقَطُ الِادِّعَاءُ طَبَقَاتٍ، حَتَّى يَبْقَى الْحَقُّ مُجَرَّدًا مِنَ الْأَوْهَامِ؛ يُطَالِبُ حَامِلَهُ بِالثَّبَاتِ، وَبِالِاسْتِمْرَارِ، وَبِالْعَمَلِ الَّذِي يُنْجِزُ، لَا بِالْكَلَامِ الَّذِي يَسْتَنْزِفُ.
وَمِنْ هُنَا تَنْقَلِبُ الْقِرَاءَةُ عَمَلًا، وَيَصِيرُ الْكِتَابُ مَيدَانَ امْتِحَانٍ لَا مَجْلِسَ أَحْلَامٍ، وَسَاحَةَ تَكْلِيفٍ لَا لَحْظَةَ انْسِجَامٍ. فَمَنْ دَخَلَ هٰذَا السِّيَاقَ دَخَلَهُ عَلَى عِلْمٍ: أَنَّ الْوُضُوحَ يَنْزِعُ وَهْمَ الْوِئَامِ لِيُقِيمَ حَقِيقَةَ الْقِوَامِ، وَأَنَّ اسْتِقَامَةَ الْقَوْلِ تَفْضَحُ اعْوِجَاجَ الْفِعْلِ، وَأَنَّ تَسْمِيَةَ الْأَشْيَاءِ بِأَسْمَائِهَا عَدْلٌ لَا خِصَامٌ.
إِنَّهُ مَسَارُ قِيَامٍ لَا يُرَاوِغُ، وَطَرِيقُ اسْتِقَامَةٍ لَا يَنْقَطِعُ؛ مَسَارُ الْوُقُوفِ فِي الْمَوْقِعِ الصَّحِيحِ، وَحَمْلِ تَبِعَتِهِ بِثَبَاتٍ. فَمَنْ ثَقُلَ عَلَيْهِ هٰذَا الْمَقَامُ فَلْيُرَاجِعْ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يُرَاجِعَ الْكَلَامَ؛ فَالْكَلِمَةُ إِذَا صَارَتْ عَهْدًا أَلْزَمَتْ، وَإِذَا صَارَتْ رَايَةً حَاسَبَتْ، وَإِذَا صَارَتْ قُرْبًا مَنَعَتِ الْهُرُوبَ.
إِلَى الْكَلِمَةِ حِينَ تَنْزِعُ عَنْهَا زِينَةَ الْأَوْهَامِ، وَتَلْبَسُ جِلْبَابَ الْإِحْكَامِ، وَتَقِفُ فِي سَاحَةِ الْأَيَّامِ لَا تَخْشَى خِصَامًا وَلَا مَلَامًا؛ إِلَى الْكَلِمَةِ حِينَ تَكُونُ قِيَامًا لَا كَلَامًا، وَمِيثَاقًا لَا أَنْغَامًا، وَمِيزَانًا لَا أَحْلَامًا. هُنَا تَخْرُجُ لَا لِتُطْرِبَ الْآذَانَ، بَلْ لِتُقِيمَ الْبُنْيَانَ؛ لَا لِتَزْرَعَ فِي الصُّدُورِ سُكُونًا، بَلْ لِتُوقِظَ فِيهَا اقْتِحَامًا وَإِقْدَامًا.
إِنَّ الْقَوْلَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ سَيْفًا فَيَفْصِلَ الْحَقَّ عَنِ الْخِصَامِ، وَيَفْضَحَ الزَّيْفَ فِي الزِّحَامِ؛ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ صَدًى يَذُوبُ فِي الْأَصْدَاءِ وَالْأَوْهَامِ. إِمَّا أَنْ يَكُونَ نُورًا يَخْرِقُ الظُّلَامَ وَيُقِيمُ الْمَقَامَ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ دُخَانًا يَخْنُقُ الْأَفْهَامَ وَيُغْرِقُهَا فِي الْإِبْهَامِ. فَلَا مَجْدَ لِلَفْظٍ يُزَيِّنُ وَلَا يُبَيِّنُ، وَلَا قِيمَةَ لِخِطَابٍ يَرْفَعُ الصَّوْتَ وَلَا يُقِيمُ نِظَامًا؛ الْكَلِمَةُ إِذَا لَمْ تَكُنْ فِعْلًا فَهِيَ وَهْمٌ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ مَوْقِفًا فَهِيَ ظِلٌّ يَذُوبُ عِنْدَ أَوَّلِ صِدَامٍ.
هُنَا تَتَقَابَلُ الْأَضْدَادُ: صِدْقٌ وَزَيْفٌ، قِيَامٌ وَانْهِيَارٌ، ثَبَاتٌ وَانْقِسَامٌ؛ وَهُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمَوْقِفَ هُوَ الْفَاصِلُ بَيْنَ مَنْ يَقُولُ فَيَمُرُّ كَغَمَامٍ، وَمَنْ يَقُولُ فَيَغْرِسُ فِي الْأَرْضِ أَعْلَامًا وَيُقِيمُ أَرْكَانًا وَقِوَامًا. فَالْحَقُّ لَا يَتَزَيَّنُ لِيُعْجِبَ، بَلْ يَتَجَرَّدُ لِيُلْزِمَ، وَلَا يُدَاهِنُ لِيُسَالِمَ، بَلْ يُصَارِحُ لِيُحَاكِمَ وَيُقِيمَ الْمِيزَانَ قِيَامًا.
وَالْعَهْدُ لَيْسَ حِبْرًا يُسْكَبُ ثُمَّ يَجِفُّ، بَلْ نَارٌ تُكْتَبُ فِي الضَّمِيرِ فَتُقِيمُهُ إِقَامَةً، وَتَسْتَنْهَضُهُ اسْتِنْهَاضًا؛ إِنْ صَدَقَتْ أَضَاءَتْ، وَإِنْ خَانَتْ أَحْرَقَتْ وَأَقَامَتْ عَلَى صَاحِبِهَا مَحْكَمَةَ الْأَيَّامِ. وَالرَّايَةُ لَيْسَتْ قِطْعَةَ قُمَاشٍ تُرْفَعُ فِي الزِّحَامِ، بَلْ أَمَانَةٌ تُحْمَلُ فِي مَوَاطِنِ الِاصْطِدَامِ، وَقِيمَةٌ تُقَامُ فِي وَجْهِ الِانْقِسَامِ؛ مَنْ رَفَعَهَا لِلزِّينَةِ سَقَطَ فِي أَوَّلِ امْتِحَانٍ، وَمَنْ حَمَلَهَا لِلْحَقِّ ثَبَتَ وَاسْتَقَامَ وَاسْتَدَامَ.
إِنَّ اللُّغَةَ إِذَا تَجَرَّدَتْ مِنَ الْمُجَامَلَةِ صَارَتْ مِرْآةً صَافِيَةَ الْإِحْكَامِ، تُرِي الْوُجُوهَ عَلَى حَقِيقَتِهَا دُونَ تَمْوِيهٍ وَلَا إِظْلَامٍ؛ تُسَمِّي الْأَشْيَاءَ بِأَسْمَائِهَا تَسْمِيَةَ الْعَدْلِ لَا تَسْمِيَةَ الْأَوْهَامِ. فَإِمَّا قِيَامٌ بِالْحَقِّ فَيُكْتَبُ فِي سِجِلِّ الْكِرَامِ، وَإِمَّا انْحِنَاءٌ لِلرِّيحِ فَيُطْوَى فِي دَفْتَرِ الِانْهِزَامِ.
إِنَّهُ طَرِيقٌ لَا يَقْبَلُ الْمُنْتَصَفَ وَلَا يُجِيزُ الِانْقِسَامَ، وَلَا يَرْضَى بِتَأْجِيلِ الْقَرَارِ وَلَا بِوَعْدِ السَّلَامِ؛ فَالْوُضُوحُ فِيهِ قِيَامٌ، وَالْحَسْمُ فِيهِ إِحْكَامٌ، وَالصِّدْقُ فِيهِ مِيثَاقٌ لَا يُنْقَضُ وَلَا يُسَاوَمُ وَلَا يُضَامُ. مَنْ دَخَلَهُ دَخَلَ عَلَى عِلْمٍ أَنَّ الرَّاحَةَ لَيْسَتْ غَايَتَهُ، بَلِ الْمَعْنَى غَايَتُهُ؛ وَأَنَّ الثَّبَاتَ أَبْقَى مِنَ الْكَلَامِ، وَأَثْقَلُ مِنَ الْأَحْلَامِ، وَأَصْدَقُ مِنْ كُلِّ ادِّعَاءٍ فِي الزِّحَامِ.
فَهُنَا الْكَلِمَةُ لَيْسَتْ صَدًى، بَلْ صَدْمَةٌ تُوقِظُ الْأَنَامَ؛ وَلَيْسَتْ زِينَةً، بَلْ زَلْزَلَةٌ تُقِيمُ الْقِيَامَ؛ وَلَيْسَتْ حِكَايَةً تُرْوَى، بَلْ حَقِيقَةٌ تُقْضَى فِي سَاحَةِ الْأَيَّامِ. مَنْ نَطَقَ بِهَا نَطَقَ مِيثَاقًا، وَمَنْ حَمَلَهَا حَمَلَ أَمَانَةً، وَمَنْ صَدَّقَهَا صَدَّقَ طَرِيقًا لَا يَنْحَرِفُ وَلَا يَنْهَامُ؛ نُورًا إِذَا أَشْرَقَ أَزَالَ الظِّلَالَ، وَأَقَامَ الْمِيزَانَ، وَثَبَّتَ الْإِنْسَانَ فِي مَقَامِ الْقِيَامِ.
فَهٰذَا الْقَوْلُ لَيْسَ خِتَامًا يُلْقَى فِي آخِرِ السُّطُورِ ثُمَّ يُنْسَى، بَلْ مِيثَاقٌ يُلْقَى فِي صَدْرِ الْعُمْرِ ثُمَّ يُرْعَى؛ وَلَيْسَ نُقْطَةً تُطْفَأُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْكَلَامِ، بَلْ شُعْلَةٌ تُوقَدُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْقِيَامِ.
هُنَا يَسْقُطُ التَّأْوِيلُ الْمُرَاوِغُ سُقُوطَ الْأَقْنِعَةِ، وَيَنْحَسِرُ الْعُذْرُ الْمُزَيَّفُ انْحِسَارَ الظِّلَالِ، وَلَا يَبْقَى إِلَّا الْمَوْقِفُ فَاصِلًا بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْأَوْهَامِ. فَإِمَّا سَمَاعٌ يَمُرُّ فَيَفْتُرُ، وَإِمَّا وَعْيٌ يَسْتَقِرُّ فَيَسْتَمِرُّ؛ وَإِمَّا قَوْلٌ يُزَيِّنُ فَيُغْرِي، وَإِمَّا قَوْلٌ يُبَيِّنُ فَيُحْيِي.
فَإِنْ صَادَقْتَ الْكَلِمَةَ صَادَقَتْكَ، وَإِنْ خَادَعْتَهَا فَضَحَتْكَ؛ وَإِنْ جَعَلْتَهَا عَهْدًا أَقَامَتْ فِيكَ الْقِيَامَ، وَإِنْ جَعَلْتَهَا صَدًى أَذَابَتْ فِيكَ الِالْتِزَامَ. إِنَّ الطَّرِيقَ وَاضِحٌ لَا يُسَاوِمُ، وَالْمِيزَانَ قَائِمٌ لَا يُجَامِلُ، وَالْحَقَّ سَاطِعٌ لَا يَنْحَنِي لِهَوًى وَلَا يَهَابُ خِصَامًا.
فَاخْتَرْ مَقَامَكَ قَبْلَ أَنْ يُخْتَارَ لَكَ، وَقِفْ فِي مَوْضِعِكَ قَبْلَ أَنْ تَجُرَّكَ الرِّيحُ وَتَطْوِيَكَ الْأَيَّامُ؛ فَهُنَا لَا يُكْتَبُ الْقَوْلُ لِيُحْفَظَ فِي الذَّاكِرَةِ فَقَطْ، بَلْ لِيُقَامَ فِي الْحَيَاةِ قِيَامًا لَا يَنْقَضُ، وَلَا يَنْطَمِسُ، وَلَا يُهَانُ.


