فِي حَضْرَةِ الصَّمْتِ
كُلُّ الْكُتُبِ

فِي حَضْرَةِ الصَّمْتِ

رِحْلَةٌ فِي بَحْرِ الْمَعَانِي وَمِرْآةِ الْوُجُودِ

النَّاشِرُ
الْمَكْتَبَةُ الْعَصْرِيَّةُ — صَيْدَا، لُبْنَانُ

كِتَابُ «فِي حَضْرَةِ الصَّمْتِ» لِلدُّكْتُورِ يُوسُفَ أَحْمَدَ الْمِيعَارِيِّ، صَدَرَ عَنِ الْمَكْتَبَةِ الْعَصْرِيَّةِ فِي صَيْدَا، لُبْنَانَ.

نَبْضٌ بَيْنَ دَفَّتَيْنِ

فِي بَدْءِ الْحِكَايَةِ لَمْ يَكُنْ هٰذَا الْكِتَابُ مَشْرُوعًا مَطْبُوعًا فِي الذِّهْنِ، وَلَا عُنْوَانًا يَتَقَدَّمُ صَفَحَاتٍ، بَلْ كَانَ سُؤَالًا يَلِحُّ فِي أَعْمَاقِ النَّفْسِ: كَيْفَ يَسْتَعِيدُ الْإِنْسَانُ تَوَازُنَهُ فِي عَالَمٍ يَخْتَنِقُ بِالصَّخَبِ وَيَفْقِدُ مِيزَانَهُ مَعَ كُلِّ صَوْتٍ مُتَعَالٍ؟

مِنْ هُنَالِكَ بَدَأَ الْبَحْثُ عَنْ مَسَاحَةٍ أُخْرَى، لَا تُقَاسُ بِعَدَدِ الْكَلِمَاتِ، وَلَا تُحَدُّ بِمَا تُسَجِّلُهُ الْخُطَبُ وَالْهُتَافَاتُ؛ مَسَاحَةٍ يَتَقَدَّمُ فِيهَا السُّكُوتُ لِيَكُونَ مِيزَانًا لِلنَّظَرِ، وَمِيقَاتًا لِلتَّفْكِيرِ، وَمَنَصَّةً يَقِفُ عَلَيْهَا الْإِنْسَانُ أَمَامَ نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ أَمَامَ الدُّنْيَا. هٰكَذَا وُلِدَتْ فِكْرَةُ «فِي حَضْرَةِ الصَّمْتِ»؛ لَيْسَ كَنَصٍّ يُرَتَّبُ فِي أَبْوَابٍ وَفُصُولٍ، بَلْ كَمِيزَانٍ يُرَادُ لَهُ أَنْ يَقِفَ فِيهِ الْقَارِئُ عَلَى حَافَّةِ نَفْسِهِ، وَيَرَى كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْهُدُوءِ أَنْ يُصْلِحَ مَا أَفْسَدَهُ الزَّمَنُ وَمَا بَعْثَرَتْهُ الْأَصْوَاتُ.

وَلَمْ يَجِئْ هٰذَا الْكِتَابُ ثَمَرَةَ حَمَاسَةٍ عَابِرَةٍ، وَلَا نَتِيجَةَ لَحْظَةِ إِلْهَامٍ وَاحِدَةٍ، بَلِ اسْتَغْرَقَ نَحْوَ ثَمَانِي سِنِينَ مِنَ الْكَدِّ وَالتَّمْحِيصِ وَرَصْدِ مَجَارِي الْمَعْنَى فِي مَسَارِ الْحَيَاةِ وَالتَّجْرِبَةِ. سِنِينَ طَوِيلَةٍ كَانَ الْقَلَمُ فِيهَا يَرْتَفِعُ وَيَهْبِطُ، يَكْتُبُ صَفْحَةً وَيَمْحُو أُخْرَى، يَسْتَبْدِلُ لَفْظًا بِآخَرَ، وَيَرْفَعُ جُمْلَةً لِيُسْقِطَ أُخْرَى، حَتَّى تَسَاقَطَتِ الْكَلِمَاتُ الضَّعِيفَةُ، وَبَقِيَ مَا اسْتَحَقَّ أَنْ يَقِفَ فِي مَقَامِ الْبَيَانِ الْجَزْلِ وَالْعِبَارَةِ الْمُحْكَمَةِ.

اقْرَأِ النَّصَّ كَامِلًا

فَلَمْ يَتَشَكَّلْ هٰذَا الْكِتَابُ عَلَى عَجَلٍ، وَلَا اعْتَمَدَ عَلَى سَرِيعِ الصِّيَاغَةِ وَرُخْوِ التَّرْكِيبِ، بَلْ بُنِيَ كَمَا تُبْنَى الْقِلَاعُ: حَجَرًا فَوْقَ حَجَرٍ، وَمَعْنًى فَوْقَ مَعْنًى، وَبَيَانًا يُكْمِلُ بَيَانًا، حَتَّى اسْتَقَرَّ عَلَى أَرْكَانٍ أَرْبَعَةٍ: صَبْرٍ يُثَبِّتُهُ، وَمَعْرِفَةٍ تُنِيرُهُ، وَلُغَةٍ تَحْمِلُهُ، وَضَمِيرٍ يُحَاسِبُ كُلَّ جُمْلَةٍ فِيهِ قَبْلَ أَنْ تَسْتَقِرَّ فِي مَكَانِهَا.

إِنَّ «فِي حَضْرَةِ الصَّمْتِ» لَيْسَ كِتَابًا يَطْلُبُ لِنَفْسِهِ مَقَامًا بَيْنَ عَنَاوِينِ الرَّفِّ، وَلَا يَسْعَى إِلَى أَنْ يُزَاحِمَ مَجْدَ هٰذَا الشَّاعِرِ أَوْ ذَاكَ الْأَدِيبِ، وَإِنَّمَا يَرْجُو أَنْ يَقِفَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي تَقُومُ فِيهِ اللُّغَةُ بِدَوْرِهَا الْحَقِيقِيِّ: هِدَايَةُ الْفِكْرِ، وَتَقْوِيمُ النَّظَرِ، وَتَشْيِيدُ جِسْرٍ بَيْنَ عَالَمِ الدَّاخِلِ وَمَشَاهِدِ الْوَاقِعِ. لِذٰلِكَ اعْتَمَدَ هٰذَا الْعَمَلُ عَلَى أَقْوَى مَا فِي اللُّغَةِ مِنْ أَدَوَاتٍ: فَصَاحَةِ الْمَبْنَى، وَصَرَامَةِ التَّرْكِيبِ، وَعُمْقِ التَّشْبِيهِ، وَتَشَابُكِ الصُّوَرِ التَّشْكِيلِيَّةِ الَّتِي لَا تَبْتَغِي زِينَةً، بَلْ تُقَاتِلُ فِي صَفِّ الْمَعْنَى لِتُبْرِزَ مَا فِيهِ مِنْ قُوَّةٍ وَمَهَابَةٍ.

فِي هٰذَا الْكِتَابِ يَجْرِي الْإِيقَاعُ الدَّاخِلِيُّ جَرَيَانًا مُحْكَمًا؛ تَسْمَعُ فِيهِ صَدَى السُّجُوعِ الْعَرَبِيِّ الْقَدِيمِ، وَلٰكِنْ فِي ثَوْبٍ جَدِيدٍ يَرْفُضُ التَّكَلُّفَ وَيَسْتَعْلِي بِالْمَعْنَى عَلَى كُلِّ زَخْرَفَةٍ لَفْظِيَّةٍ لَا عَضُدَ لَهَا مِنَ الْفِكْرِ. هُنَالِكَ يَشْعُرُ الْقَارِئُ أَنَّهُ لَا يَتَلَقَّى عِبَارَةً فَقَطْ، بَلْ يَعْبُرُ مَعَ الْكَلِمَةِ جِسْرًا يَنْقُلُهُ مِنْ ضَفَّةِ التَّشَتُّتِ إِلَى ضَفَّةِ التَّرَكُّزِ، وَمِنْ ضَفَّةِ التَّشْتِيتِ إِلَى مَقَامِ التَّأَمُّلِ الْمُحْكَمِ.

وَلَا غَرْوَ أَنْ يَكُونَ هٰذَا الْكِتَابُ بَعْدَ هٰذِهِ السِّنِينَ مِنَ الْعَمَلِ أَقْرَبَ إِلَى صَرْحٍ لُغَوِيٍّ مَشِيدٍ مِنْهُ إِلَى مُؤَلَّفٍ يُطْوَى فِي رَفٍّ ثَانَوِيٍّ. فَهُوَ يُخَاطِبُ فِي الْإِنْسَانِ عَقْلَهُ، وَيُحَاوِرُ فِيهِ قَلْبَهُ، وَيُخَاطِبُ ذَاكِرَتَهُ التَّارِيخِيَّةَ، وَيَسْتَدْعِي فِيهِ مَا تَعَلَّمَهُ مِنْ مَعَاجِمِ اللُّغَةِ وَمَوَارِدِ الْبَيَانِ الْعَرَبِيِّ الْأَصِيلِ. لٰكِنَّهُ مَعَ ذٰلِكَ كُلِّهِ لَا يَدَّعِي الْكَمَالَ، بَلْ يَدْعُو إِلَى مُوَاصَلَةِ الرِّحْلَةِ؛ رِحْلَةِ السُّكُوتِ الَّذِي يَحْفَظُ لِلْكَلِمَةِ مَهَابَتَهَا، وَالْحِوَارِ الَّذِي لَا يُفْسِدُهُ الْجِدَالُ الْعَقِيمُ، وَالْقِرَاءَةِ الَّتِي تَرْفُضُ أَنْ تَكُونَ مُرُورًا عَابِرًا عَلَى الْأَسْطُرِ، بَلْ تَرْغَبُ فِي أَنْ تَكُونَ مُوَاجَهَةً صَادِقَةً مَعَ النَّفْسِ وَمَعَ مَا حَوْلَهَا مِنْ عَالَمٍ. هٰذِهِ كَلِمَةُ الْمُؤَلِّفِ لِمَنْ يَفْتَحُ هٰذَا الْكِتَابَ: لَا تَقْرَأْهُ كَمَا تُقْرَأُ الصَّفَحَاتُ الْمُسْتَعْجَلَةُ، بَلِ ادْخُلْ مَعَهُ فِي حَضْرَةِ الصَّمْتِ، وَدَعِ الْفِكْرَ يَسِيرُ فِي مَدَارِجِهِ عَلَى هَيْئَةِ مَسِيرِ مَنْ يَصْعَدُ جَبَلًا؛ خُطْوَةً بَعْدَ خُطْوَةٍ، حَتَّى يَبْلُغَ الْقِمَّةَ الَّتِي يَرَى فِيهَا الْأَشْيَاءَ كَمَا يَنْبَغِي أَنْ تُرَى، لَا كَمَا فُرِضَ عَلَيْهِ أَنْ يَرَاهَا.

لَيْسَتْ هٰذِهِ الصَّفَحَاتُ خَاتِمَةَ طَرِيقٍ، بَلْ مِفْتَاحَ بِدَايَةٍ أُخْرَى. لَقَدْ جَمَعْتُ فِيهَا مَا أَلْهَمَهُ الصَّمْتُ لِقَلْبِي، لَا لِأَكُونَ صَاحِبَ صَوْتٍ يَعْلُو ثُمَّ يَخْمُدُ، وَلَا لِأَتَّخِذَهَا زِينَةً فِي مَجَالِسِ الدَّعَاوَى، بَلْ لِأُقَدِّمَ عَهْدًا مَفْتُوحًا، وَوَصِيَّةً بَصِيرِيَّةً، وَمِفْتَاحًا لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَفْتَحَ بَابَ نَفْسِهِ عَلَى نُورٍ أَوْسَعَ، وَيَتَنَفَّسَ مَعَانِيَ الْحَقِّ بِصِدْقٍ أَعْمَقَ، وَيَرَى فِي الصَّمْتِ سُلَّمًا يَرْقَى بِهِ إِلَى فَضَاءِ الْمَعْرِفَةِ، وَفِي كُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا نَبْضَ حِكْمَةٍ يَجْرِي فِي شَرَايِينِ التَّفَكُّرِ، فَيُبْصِرُ الْقَارِئُ مَا وَرَاءَ الْكَلِمَةِ، وَيَشْهَدُ بَيْنَ سُطُورِهَا ضِيَاءً يُغَنِّي أَنْفَاسَ النُّورِ وَيُبْدِعُ نَغَمَاتِ الْمَعْرِفَةِ.

فَهِيَ نَسِيمُ فِكْرٍ وَوَعْيٍ، وَصَدَى نُورٍ يَتَرَاوَحُ بَيْنَ سُكُونٍ وَإِشْرَاقٍ، يُنْعِشُ الْقَلْبَ وَيُرَبِّي فِيهِ مَعْنَى السَّكِينَةِ، وَيَكْشِفُ لَهُ مَوَاطِنَ الْجَمَالِ الْخَفِيِّ الَّتِي لَا تُرَى بِالْعَيْنِ، بَلْ تُلْمَسُ بِحِسِّ الْقَلْبِ وَنَظَرِ الْفِكْرِ، فَيَسِيرُ الْقَارِئُ مَعَ كُلِّ جُمْلَةٍ كَمَنْ يَمْشِي فِي بُسْتَانٍ مِنْ نُورٍ، يُرَتِّبُ فِيهِ الْمَعَانِيَ كَأَزَاهِيرَ فِي رِيَاحٍ مِنْ سُكُونٍ وَوَقَارٍ.

كَتَبْتُ هٰذَا الْكِتَابَ رِحْلَةً مَعَ النَّفْسِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ رِحْلَةً مَعَ الْقَلَمِ؛ رِحْلَةً جَلَسْتُ فِيهَا إِلَى صَمْتِي، وَأَصْغَيْتُ فِيهَا لِهَمْسِ زَمَنِي، وَحَاوَرْتُ فِيهَا صَدَى أَيَّامِي. فَمَا وَجَدْتُ أَصْدَقَ مِنَ الصَّمْتِ مِيزَانًا، وَلَا أَعْدَلَ مِنْهُ حَكَمًا، وَلَا أَوْسَعَ مِنْهُ مَدْرَسَةً؛ فَهُوَ الْمِرْآةُ الَّتِي تُظْهِرُ مَا يَخْفَى، وَالْمَجَالُ الَّذِي يَنْبُتُ فِيهِ الْفِكْرُ، وَالْبَابُ الَّذِي يُفْضِي إِلَى مَقَامِ الْمَعْرِفَةِ، وَيَكْشِفُ لِلرُّوحِ سِرَّ سُبَاتِهَا وَبُذُورَ نُورِهَا. لَمْ أَقْصِدْ أَنْ أَسْرُدَ مَعَانِيَ مُرَتَّبَةً، وَلَا أَنْ أَجْمَعَ حِكَمًا مُبَعْثَرَةً؛ إِنَّمَا قَصَدْتُ أَنْ أُقَدِّمَ تَجْرِبَةً عِشْتُهَا، وَحَقِيقَةً لَمَسْتُهَا، وَمِفْتَاحًا أُؤْمِنُ بِفَاعِلِيَّتِهِ. أُسَلِّمُكَ أَيُّهَا الْقَارِئُ مِفْتَاحًا: فَإِنْ أَحْسَنْتَ اسْتِعْمَالَهُ فَتَحَ لَكَ أَبْوَابًا جَدِيدَةً، وَإِنْ تَرَكْتَهُ عَلَى الطَّرِيقِ بَقِيَ حَدِيدًا لَا يَنْفَعُ. فَالْكِتَابُ لَا يَعْمَلُ عَنْكَ، وَلَا يُفَكِّرُ بَدَلًا مِنْكَ؛ إِنَّمَا هُوَ رَفِيقُ سَفَرٍ، وَمِرْآةُ تَأَمُّلٍ، وَمِيزَانٌ تُعْرَضُ عَلَيْهِ خُطُوَاتُكَ.

أَعْلَمُ أَنَّ الْكَلِمَةَ الصَّادِقَةَ قَدْ تُثِيرُ جِدَالًا، وَتُشْعِلُ نِقَاشًا، وَتَكْشِفُ سُتُورًا كَانَ الزَّيْفُ يُخْفِيهَا، وَقَدْ تَهُزُّ عُرُوشًا بُنِيَتْ عَلَى الْوَهْمِ وَالْمَطَامِعِ. فَحَيْثُمَا نَطَقَتِ الْحَقِيقَةُ ارْتَجَّتْ قُصُورُ الْبَاطِلِ، وَاضْطَرَبَتْ قُلُوبُ الَّذِينَ يَكْرَهُونَ النُّورَ. وَمَعَ ذٰلِكَ فَذٰلِكَ مَقَامُهَا الْأَصِيلُ وَرِسَالَتُهَا الْعُلْيَا: أَنْ تُحَرِّكَ الْفِكْرَ مِنْ سُبَاتِهِ، وَتُوقِظَ الْعُقُولَ مِنْ غَفْلَتِهَا، وَتُنَبِّهَ الضَّمَائِرَ مِنْ سَكْرَةِ الْعَادَةِ وَهُدُوءِ التَّكْيِيفِ.

فَالْكَلِمَةُ الَّتِي لَا تَهُزُّ وُجْدَانًا، وَلَا تُثِيرُ تَسَاؤُلًا، وَلَا تَتْرُكُ أَثَرًا، لَيْسَتْ إِلَّا نَفَسًا بَارِدًا فِي هَوَاءِ الْغَفْلَةِ. وَالصَّمْتُ الَّذِي لَا يُنْبِتُ بَصِيرَةً، وَلَا يُفْرِزُ حِكْمَةً، هُوَ سُكُونُ الْمَوْتِ فِي ثَوْبِ الْحَيَاةِ؛ يَبْدُو هَادِئًا، وَفِي جَوْفِهِ خُمُودُ الْأَرْوَاحِ. فَطُوبَى لِكَلِمَةٍ أَصْدَقَتْ وَإِنْ أَوْجَعَتْ، وَلِصَمْتٍ أَنْبَتَ نُورًا وَإِنْ أَحْزَنَ، فَفِي هِزَّةِ الْفِكْرِ تُولَدُ الْحَقَائِقُ، وَفِي سُكُونِ الْحِكْمَةِ يَتَجَلَّى نُورُ الْوُجُودِ.

أَيُّهَا الْقَارِئُ الْكَرِيمُ، لَسْتُ أَطْلُبُ مِنْكَ اتِّبَاعًا أَعْمَى، وَلَا تَرْدِيدًا أَبْكَمَ؛ بَلْ أَدْعُوكَ إِلَى مُحَاوَرَةٍ تُنْهِضُ مِيزَانَكَ الدَّاخِلِيَّ، وَتُوقِظُ فِيكَ نُورَ الْبَصِيرَةِ الَّذِي لَا يَسْمَعُ نِدَاءَهُ إِلَّا أَصْحَابُ الْقُلُوبِ الزَّاكِيَةِ. فَهٰذَا الْكِتَابُ لَيْسَ مِئْذَنَةً يُتْلَى عَلَيْهَا الرَّأْيُ، وَلَا مِنْبَرًا يُمْلَى مِنْهُ الْقَنَاعَاتُ، بَلْ هُوَ مِرْآةٌ تُظْهِرُ لِكُلِّ قَارِئٍ مَا يَكْتُمُهُ فِي نَفْسِهِ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا بِصِدْقٍ. فَمَا وَافَقَكَ فَاحْفَظْهُ وَاعْمَلْ بِهِ، فَإِنَّهُ نَبْتُ حِكْمَتِكَ، وَمَا خَالَفَكَ فَجَادِلْهُ بِبَصِيرَةٍ وَعَقْلٍ رَاسِخٍ؛ فَالْحِوَارُ نَفَسُ الْفِكْرِ وَرُوحُ الْحَيَاةِ.

وَغَايَةُ هٰذَا الْمَسَارِ لَيْسَ أَنْ يَجْعَلَ مِنْكَ ظِلًّا يُشْبِهُنِي، بَلْ أَنْ يُعِيدَ إِلَيْكَ صَوْتَكَ الَّذِي ضَيَّعَتْهُ أَصْوَاتُ الْجَمْعِ، وَيُحْيِيَ فِيكَ فِكْرَكَ الَّذِي أَغْفَلَتْهُ ضَجَّةُ الْحَيَاةِ، حَتَّى تَعُودَ إِلَى نَفْسِكَ صَافِيًا كَمَا خُلِقْتَ، وَتَرَى الْحَقِيقَةَ بِعَيْنِ الْوُجْدَانِ لَا بِمِجْهَرِ الْآخَرِينَ. فَإِنْ مَسَّ هٰذَا الْمَسَارُ قَلْبَكَ بِحَرَارَةٍ، أَوْ أَثَارَ فِيكَ سُؤَالًا، أَوْ فَتَحَ أَمَامَكَ بَابًا إِلَى أَعْمَاقِ نَفْسِكَ، فَذٰلِكَ هُوَ مَا أَبْتَغِي. فَالْكَلِمَةُ الَّتِي لَا تُشْعِلُ فِكْرًا لَا تَسْتَحِقُّ أَنْ تُكْتَبَ، وَالْفِكْرُ الَّذِي لَا يُزَلْزِلُ سُكُونًا لَيْسَ بِفِكْرٍ.

إِنَّ الْكَلِمَةَ جَذْوَةٌ تُوقِدُ، وَالصَّمْتَ نَبْعٌ يُفْضِي، وَفِي التَّآلُفِ بَيْنَهُمَا تُولَدُ الْبَصِيرَةُ الَّتِي تَهْدِي الْقُلُوبَ وَتُعَمِّدُ الْعُقُولَ. فَهٰذَا الْكِتَابُ لَيْسَ صَفَحَاتٍ تُقْرَأُ، بَلْ رِحْلَةٌ تُعَاشُ؛ كَلِمَاتُهُ تُحَرِّكُ الرُّكَامَ فِي أَعْمَاقِ الْإِنْسَانِ، وَتُذَكِّرُهُ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ لَا تُوهَبُ بِلَا سَعْيٍ، وَلَا تُسْتَخْرَجُ إِلَّا بِالتَّأَمُّلِ وَالصَّبْرِ. فَانْفُضْ غُبَارَ الصَّمْتِ، وَافْتَحْ نَافِذَةَ الرُّوحِ عَلَى نُورٍ أَبْهَى، وَأَنْصِتْ لِصَوْتِ الْكَلِمَةِ وَهِيَ تَسْرِي فِي مَمَالِكِ الْفِكْرِ سَرَيًا كَأَنَّهَا نَسِيمٌ يُسَبِّحُ فِي الضِّيَاءِ؛ فَفِي الْكَلِمَةِ حَيَاةٌ، وَفِي الصَّمْتِ إِشْرَاقٌ، وَبَيْنَهُمَا يَقُومُ الْإِنْسَانُ الْجَدِيدُ عَلَى سُلَّمِ الْحِكْمَةِ نَحْوَ نُورٍ لَا يَخْمُدُ. وَبِاللّٰهِ التَّوْفِيقُ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ. وَهٰذِهِ كَلِمَاتِي الْأَخِيرَةُ إِلَيْكُمْ شِعْرًا لَا نَثْرًا… فِي حَضْرَةِ الصَّمْتِ:

صَمْتِي سِلَاحِي فِي الْوُجُودِ وَرَايَتِيفِيهِ الْحَقِيقَةُ تَجْلُو الْوَجْهَ مُعْتَمَدَا

إِنِّي نَسَجْتُ عَلَى الْحُرُوفِ حِكَمًا بَدَتْنُورًا يُرَتِّلُ فِي الْبَصَائِرِ مَوْعِدَا

مَنْ جَاءَ يَقْرَأُ مَا كَتَبْتُ تَفَجَّرَتْفِيهِ الْمَعَانِي وَاسْتَفَاقَ مُتَّقِدَا

هٰذَا كَلَامِي مِنْ سُكُوتِي جَاءَنِينَفَسًا يُنِيرُ الرُّوحَ وَالْفِكْرَ مُؤَيَّدَا

وَبِحِكْمَةِ الطَّبِيبِ فِي تَدْبِيرِهَاأَحْيَا الْكَلِمَ كَالدَّوَاءِ مُسَدَّدَا

وَبِرِيشَةِ الْأَدِيبِ خَطَطْتُ تَجَارِبًاتَسْتَسْقِي الْقُلُوبُ بِهَا النُّجُومَ تَوَقُّدَا

فِي كُلِّ بَيْتٍ قُوَّةٌ وَرَسَاخَةٌتَهْزِ الزَّمَانَ، وَتُوقِظُ الْمَجْدَ أَمْجَدَا

وَبِصَمْتِي اسْتَغْرَقْتُ بَحْرَ مَعَارِفٍوَرَأَيْتُ فِي الْأَعْمَاقِ مَعْنًى مُفْرَدَا

فَالصَّمْتُ مِيرَاثُ الْحَيَاةِ وَسِرُّهَايَبْقَى عَلَى مَرِّ الزَّمَانِ مُوَطَّدَا

وَبِقَلَمِي يَبْقَى النُّضُوجُ مَنَارَةًتَهْدِي الْعُقُولَ، وَتَسْتَبِينُ تَرَشُّدَا

وَمِنْ هُنَا تَبْدَأُ خُطْوَتُكَ الْأُولَى فِي الْمَعْنَى، لَا تَابِعًا وَلَا مُنْقَادًا، بَلْ شَاهِدًا عَلَى نَفْسِكَ وَمُسَائِلًا لِرُؤْيَتِكَ. فَإِنْ وَجَدْتَ فِي هٰذِهِ الْكَلِمَاتِ مِرْآةً، فَانْظُرْ فِيهَا طَوِيلًا، وَإِنْ وَجَدْتَ فِيهَا طَرِيقًا، فَامْشِهِ بِوَعْيٍ. فَالْحِكْمَةُ لَا تُعْطِي نَفْسَهَا لِمَنْ يَسْتَعْجِلُهَا، بَلْ لِمَنْ يَسِيرُ نَحْوَهَا وَقَلْبُهُ مُتَيَقِّظٌ.