نَهْرُ الْعِشْقِ وَبَحْرُ الْغَرَامِ
كُلُّ الْكُتُبِ

نَهْرُ الْعِشْقِ وَبَحْرُ الْغَرَامِ

النَّاشِرُ
الْمَكْتَبَةُ الْعَصْرِيَّةُ — صَيْدَا، لُبْنَانُ

كِتَابُ «نَهْرُ الْعِشْقِ وَبَحْرُ الْغَرَامِ» لِلدُّكْتُورِ يُوسُفَ أَحْمَدَ الْمِيعَارِيِّ، صَدَرَ عَنِ الْمَكْتَبَةِ الْعَصْرِيَّةِ فِي صَيْدَا، لُبْنَانَ.

من مَلِك العشق والوفاء، مَلِك القلب وماحوى

نَبْضٌ بَيْنَ دَفَّتَيْنِ

وَإِنِّي، وَأَنَا أُسَلِّمُ قَلْبِي لِهٰذَا المَدَادِ، لَا أَرْجُو أَنْ أَتَحَدَّثَ كَمُحَاضِرٍ يَعْتَلِي مَنَابِرَ العِلْمِ، وَلَا كَمُعَلِّمٍ يُلَقِّنُ الدُّرُوسَ فِي ظِلَالِ الكُتُبِ، بَلْ كَعَاشِقٍ تَفَتَّحَتْ جِرَاحُهُ عَلَى نُورِ العِبَارَةِ، وَانْفَجَرَتْ أَعْمَاقُهُ كَمَا يَنْفَجِرُ السَّحَرُ بِأَوَّلِ خَيْطٍ مِنْ ضِيَاءِ الصُّبْحِ؛ فَأَنَا هُنَا لِأُفْصِحَ عَنْ حَرَائِقَ لَا تُقَالُ فِي صَخَبِ الحَيَاةِ، وَلِأُخْرِجَ كُنُوزًا لَا تُقَاسُ بِذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، بَلْ بِوَهَجٍ يَنْسَابُ فِي العُرُوقِ، وَبِمَعَانٍ تُشْعِلُ صَدْرَ الزَّمَنِ.

فَالقَلَمُ فِي يَدِي لَيْسَ أَدَاةً تُسَجِّلُ، بَلْ جَمْرَةٌ تَنْطِقُ، وَقَلْبٌ يَنْبِضُ، وَرَبِيعٌ يَتَفَتَّحُ عَلَى أَطْرَافِ الدَّاخِلِ، وَأَنَا لَا أُخَاطِبُ العُقُولَ وَحْدَهَا، بَلْ أَنْحَتُ كَلِمَاتِي عَلَى أَوْتَارِ الذَّوَاتِ؛ فَالحُبُّ هُنَا لَيْسَ زِينَةَ مَجَازٍ، وَلَا صُورَةً تُعَلَّقُ عَلَى جِدَارٍ، بَلْ نُورٌ يَقْتَحِمُنَا، وَفَيْضٌ يَرْفَعُنَا، وَرَعْشَةٌ تَحْمِلُ الإِنْسَانَ مِنْ أَرْضِهِ إِلَى أُفُقِهِ. وَالْغَرَامُ لَيْسَ رِيشَةً لِلْكَلَامِ، وَلَا تُحْفَةً لِلشِّعْرِ، بَلْ مِيزَانُ القَلْبِ إِذَا اهْتَزَّ، وَمِحَكُّ العِشْقِ إِذَا اسْتَعَرَ، وَنُورٌ يُمْتَحَنُ بِهِ صِدْقُ الإِنْسَانِ فِي عَطَائِهِ وَبَذْلِهِ؛ هُوَ مِفْتَاحٌ يَفْتَحُ أَبْوَابَ الرُّوحِ عَلَى سِرِّهَا، وَمِرْآةٌ تُظْهِرُ ذَاتًا كُنَّا نَظُنُّهَا مُخْتَبِئَةً، وَنَهْرٌ يَجْرِي فِي أَعْمَاقِنَا لِيُذَكِّرَنَا أَنَّ الحَيَاةَ لَا تُبْنَى عَلَى رَغِيفِ الخُبْزِ وَحْدَهُ، بَلْ عَلَى جَمْرَةِ الحُبِّ إِذَا تَوَهَّجَتْ، وَعَلَى صَرْخَةِ العِشْقِ إِذَا اسْتَيْقَظَتْ.

فَمَنْ ذَاقَ الغَرَامَ عَرَفَ نَفْسَهُ، وَمَنْ حُجِبَ عَنْهُ فَقَدْ ضَيَّعَ نِصْفَ الحَقِيقَةِ؛ فَهُوَ النُّورُ الَّذِي يُتِمُّ نَقْصَنَا، وَاللَّهِيبُ الَّذِي يَرْفَعُنَا، وَمَا مِنْ قَلْبٍ مَسَّهُ الحُبُّ إِلَّا انْفَتَحَ كَوَرْدَةٍ أَغْرَقَهَا نَدَى الفَجْرِ، وَلَا مِنْ رُوحٍ غَمَرَهَا العِشْقُ إِلَّا ارْتَفَعَتْ كَجَنَاحٍ طَائِرٍ يَنْهَضُ إِلَى سَمَاءٍ لَا تُدْرَكُ؛ فَهُوَ نَبْعٌ يُطْفِئُ ظَمَأَ الأَحْلَامِ، وَجَذْوَةٌ تُشْعِلُ الطَّرِيقَ، وَأُنْشُودَةٌ تَسْتَفِيقُ عَلَيْهَا الدَّوَاخِلُ كُلَّ فَجْرٍ، حَتَّى يَبْدُو الحُبُّ هُوَ الَّذِي يَفْتَحُ لِلدَّاخِلِ بَابًا لَا يُقْفِلُهُ العَطَاءُ، وَيَرْفَعُنَا إِلَى مَقَامٍ لَا يَبْلُغُهُ إِلَّا مَنْ احْتَرَقَ بِنُورِهِ. وَالْحُبُّ هُوَ الَّذِي يَنْتَزِعُ الوَحْشَةَ مِنْ أَعْصَابِ الزَّمَنِ فَيَصُوغُهَا أُنْسًا، وَيُخْرِسُ صَمْتَ الحَيَاةِ حَتَّى يُصْبِحَ أُنْشُودَةً تُرَدِّدُهَا الأَعْمَاقُ كَأَنَّهَا تَتَعَلَّمُ الطَّيَرَانَ. وَهُوَ الَّذِي يَجْعَلُ مِنْ كُلِّ جُرْحٍ شُرْفَةً تُطِلُّ عَلَى ضِيَاءٍ أَعْمَقَ مِمَّا تُبْصِرُهُ العُيُونُ، وَيَجْمَعُ مَا تَبَدَّدَ مِنْ أَنْفُسِنَا كَمَا تَجْمَعُ الرِّيَاحُ سُحُبَ السَّمَاءِ قُبَيْلَ المَطَرِ، وَيُوقِظُ فِينَا مَا خَمَدَ كَإِيقَاظِ مِصْبَاحٍ يَعُودُ لِيُشِعَّ بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ السُّكُونِ.

اقْرَأِ النَّصَّ كَامِلًا

وَفِي صُحُفِ العُمْرِ يَكْتُبُ الحُبُّ سُطُورًا تَبْقَى، كَأَنَّهَا لَيْسَتْ حِبْرًا، بَلْ لَحْظَةُ بَصِيرَةٍ تَكْشِفُ عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي ضَلَّتْهُ الْخُطَى. فَبِالعِشْقِ يَغْدُو الإِنْسَانُ أَجْمَلَ، لَيْسَ لِأَنَّهُ حَسُنَ، بَلْ لِأَنَّهُ شَعَرَ أَنَّ لِوُجُودِهِ وَهْجًا وَصَوْتًا، وَبِالْغَرَامِ يَلِينَ الْعَالَمُ كَحَجَرٍ دَفَّأَهُ تَوَهُّجُ الْفَجْرِ، وَبِالْحُبِّ تَنْهَضُ الْحَيَاةُ كَأَنَّهَا اِنْبِثَاقٌ جَدِيدٌ يُعِيدُ تَرْتِيبَ نَبْضِهَا. وَهُوَ ضِيَاءٌ يَشُقُّ الظُّلْمَةَ حَتَّى يَنْقَطِعَ لَيْلُهَا، وَبُذُورٌ تَنْهَضُ فِي جَوْفِ الْأَرْضِ بِأَلْوَانٍ لَا تُعَلِّمُهَا رِحَابُ الْفَضَاءِ، وَلَا تَحُدُّهَا حُدُودُ الْمَدَى، وَجِسْرٌ يَرْبِطُ الإِنْسَانَ بِالْإِنْسَانِ وَلَوْ تَقَاطَعَتْ بَيْنَهُمَا القَارَّاتُ وَالمَسَافَاتُ. فَبِالحُبِّ تُرَمَّمُ بُيُوتُ النُّفُوسِ بَعْدَ أَنْ نَزَفَتْهَا الرِّيَاحُ، وَبِالْعِشْقِ تُزْرَعُ فِي سُهُولِ الدَّوَاخِلِ سَنَابِلُ تَنْبُتُ عَلَى حَافَّاتِ القُلُوبِ، وَبِالغَرَامِ تَتَّسِعُ الدُّنْيَا وَلَوِ انْقَبَضَتْ، وَتَنْفَتِحُ أَبْوَابٌ كَانَتْ تُشْبِهُ صَخْرًا.

وَالحُبُّ لَيْسَ عَارِضًا يَنْقَضِي، بَلْ مِيثَاقٌ يُنْقَشُ فِي العَظْمِ قَبْلَ القَلْبِ، وَعَهْدٌ تُصَادِقُ عَلَيْهِ الرُّوحُ قَبْلَ أَنْ تَرْفَعَهُ الأَلْسُنُ؛ وَمَعَهُ تَغْدُو الحَيَاةُ أَرْضًا خَضْرَاءَ لَا تَذْبُلُ، وَتَبْقَى القُلُوبُ بِنُورِهِ مَسَاكِنَ لِلسَّعَادَةِ، وَمَعَاقِلَ لِلوِدَادِ، وَرَوَاسِيَ لِلْفَرَحِ. وَهُوَ نُورُ المَعْنَى وَسِرُّ الجَمَالِ، يَتَفَجَّرُ كَنَبْعٍ فِي جَوْفِ الإِنْسَانِ فَيَسْقِيهِ، وَيَهْطِلُ كَغَيْمَةٍ عَلَى فَيَافِي الدَّوَاخِلِ فَيُزْهِرُ فِي حُقُولِهَا أَلْوَانًا مِنْ ضَحْكٍ وَرَجَاءٍ. وَهُوَ بَرِيقٌ يَهْدِي فِي مَتَاهَاتِ الدُّرُوبِ، وَصَوْتُ الغَرَامِ الَّذِي يُعِيدُ لِلْقَلْبِ نَبْضَهُ بَعْدَ صَمْتٍ أَثْقَلَهُ. فَبِالحُبِّ تَتَحَوَّلُ كُلُّ دَمْعَةٍ إِلَى لُؤْلُؤَةٍ تُضِيءُ لَيْلَ البُكَاءِ، وَكُلُّ أَنَّةٍ إِلَى نَغْمَةٍ تَفْتَحُ بَوَّابَاتِ الرَّجَاءِ، وَبِهِ تُغْرَسُ فِي القُلُوبِ سَنَابِلُ مَوَدَّةٍ تَكْبُرُ مَعَ الأَيَّامِ كَأَنَّهَا غَلَّةُ المَحَبَّةِ فِي حَقْلٍ مِنْ نُورٍ.

وَالحُبُّ كَلَامٌ سِرِّيٌّ يَتَنَاقَلُهُ العَيْنَانِ قَبْلَ اللِّسَانِ، وَوَعْدٌ يُكْتَبُ فِي صُحُفِ العُمْرِ قَبْلَ أَنْ تُصَدِّقَ عَلَيْهِ الأَحْدَاثُ، وَبَرْقٌ يَكْشِفُ قَدْرَ الإِنْسَانِ مِنْ نَفْسِهِ. وَمَا مِنْ قَلْبٍ فَتَحَ بَابَهُ لِلْحُبِّ إِلَّا تَنَفَّسَ الحُرِّيَّةَ، وَمَا مِنْ رُوحٍ شَرِبَتْ مِنْ نَبْعِ الغَرَامِ إِلَّا عَادَتْ أَطْهَرَ وَأَغْنَى؛ فَهُوَ السَّفَرُ الَّذِي تَرْتَقِي فِيهِ الرُّوحُ، وَالمِفْتَاحُ الَّذِي يُفْضِي إِلَى أَعْمَقِ أَبْوَابِ القَلْبِ، وَالبُرْهَانُ عَلَى أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَكْتَمِلُ إِلَّا بِعِشْقٍ يَسْكُنُهُ وَيَرْفَعُهُ إِلَى أُفُقٍ لَا يَبْلُغُهُ إِلَّا مَنْ احْتَرَقَ بِنُورِهِ. فَالغَرَامُ لَيْسَ كَلِمَةً تُقَالُ ثُمَّ تَمْضِي، وَلَا فِكْرَةً تُذْكَرُ ثُمَّ تَنْطَفِئُ، بَلْ هُوَ نَشِيدٌ يَتَجَدَّدُ كُلَّمَا طَلَعَ الْفَجْرُ، وَحَقِيقَةٌ تَبْقَى كُلَّمَا تَجَدَّدَتِ الْحَيَاةُ. فِي كُلِّ يَوْمٍ يُولَدُ، وَفِي كُلِّ دَاخِلٍ يَكْبُرُ، وَفِي كُلِّ قَلْبٍ يَكْتُبُ نَصَّهُ وَيُثْبِتُ أَثَرَهُ كَمِيرَاثٍ رَاسِخٍ.

وَإِنِّي، وَأَنَا أُوَدِّعُ هٰذِهِ الْكَلِمَاتِ، أَرَاهُ مِيثَاقًا لِلدَّوَاخِلِ، وَوَصِيَّةً لِلْوُجُودِ، وَجِسْرًا يَرْبِطُ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَالإِنْسَانِ. هُوَ النُّورُ الَّذِي لَا يَنْطَفِئُ، وَالأُنْشُودَةُ الَّتِي لَا تَصْمُتُ، بَلْ بَدْرٌ يُضِيءُ لِلرَّاحِلِينَ، وَشِمْعَةٌ تَهْدِي التَّائِهِينَ، وَمَطَرٌ يُزْهِرُ فِي دُرُوبِ الْحَائِرِينَ. وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فِي الْحُبِّ دَرْبًا فَقَدْ أَضَاعَ الطَّرِيقَ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فِي الْعِشْقِ وَطَنًا فَقَدْ خَسِرَ نِصْفَ السَّكِينَةِ. وَإِذَا كَانَ لِلتَّارِيخِ كُتُبٌ تُسَجِّلُ أَخْبَارَ الْمُلُوكِ، فَلِلْحُبِّ دَفَاتِرُ أَبْهَى وَأَزْهَى، تُكْتَبُ فِيهَا أَحْلَامُ الْعُشَّاقِ، وَتَتَلَأْلَأُ فِيهَا أَسْمَاءُ الَّذِينَ آمَنُوا بِأَنَّ الْوُجُودَ لَا يَزْدَهِي إِلَّا بِقَلْبٍ يَنْبِضُ بِالْوِدَادِ. وَهٰذَا الْكِتَابُ لَيْسَ صَفْحَةً تَتَقَلَّبُ بَيْنَ الْأَيْدِي، وَلَا مَخْطُوطًا يَنْطَوِي فِي زَوَايَا النِّسْيَانِ، بَلْ هُوَ مِفْتَاحٌ لِتِلْكَ الدَّفَاتِرِ، وَجِسْرٌ لِتِلْكَ الطُّرُقِ، وَنَفَسٌ مِنْ أَنْفَاسِ نَهْرٍ يَجْرِي فِي الْقُلُوبِ مُنْذُ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَبَّ فِيهِ الإِنْسَانُ، وَسَيَبْقَى يَجْرِي حَتَّى آخِرِ قَلْبٍ يَخْفِقُ بِالْغَرَامِ.

فَالْحُبُّ لَيْسَ مَجَازًا يُبْحِرُ فِي بَحْرِ الشِّعْرِ، وَلَا تَشْبِيهًا يُعَلِّقُهُ الْأُدَبَاءُ عَلَى جُدْرَانِ العِبَارَاتِ، وَلَا جِنَاسًا يُخَاتِلُ فِيهِ اللَّفْظُ فَيُوَارِي مَعْنًى وَيُظْهِرُ آخَرَ، وَلَا كِنَايَةً تَتَسَتَّرُ خَلْفَ الأَقْوَالِ وَتُظْهِرُ سِرَّهَا، وَلَا طِبَاقًا يُجَاوِرُ فِيهِ النُّورُ الظَّلَامَ، وَلَا مُقَابَلَةً تُعَادِلُ بَيْنَ سَطْوَةِ وَجَعٍ وَسَنَاءِ أَمَلٍ، وَلَا اسْتِعَارَةً تُحَرِّكُ الشَّمْسَ إِلَى الأَكُفِّ أَوْ تُسْكِنُ القَمَرَ فِي العُيُونِ، وَلَا سَجْعًا يَتَرَنَّمُ فِي أُذُنِ الزَّمَنِ، وَلَا تُورِيَةً تُخَاتِلُ بَيْنَ ظَاهِرٍ يُشْغِلُ وَبَاطِنٍ يُجَلِّي، وَلَا اقْتِبَاسًا يَسْتَمِدُّ نُورَهُ مِنْ مَنَابِعِ الحِكْمَةِ؛ إِنَّهُ فَوْقَ ذٰلِكَ كُلِّهِ نَبْضٌ لَا يُطْمَسُ، وَوَعْدٌ لَا يَسْقُطُ، وَحَقِيقَةٌ تَبْقَى وَإِنْ تَغَيَّرَتِ العُصُورُ.

هُوَ تَاجُ وُجُودٍ يَتَجَدَّدُ بِنُورِهِ، وَسَفِينَةٌ تَمْضِي عَلَى الأَيَّامِ، إِنْ غَابَ عَنْ عَيْنِ الحَيَاةِ بَقِيَ الضِّيَاءُ، وَإِنِ اسْتَتَرَ صَوْتُهُ بَقِيَ الإِيمَانُ. فَالْحُبُّ هُوَ الحَقُّ الَّذِي لَا يَسْقُطُ، وَالوَعْدُ الَّذِي لَا يَخُونُ، وَهُوَ القُوَّةُ الَّتِي تُشْعِلُ فِي الجَسَدِ دَفَقَةَ الحَيَاةِ؛ فَبِهِ يَصِيرُ الضَّعِيفُ جَبَلًا يُنَازِلُ الرِّيَاحَ، وَالمُنْكَسِرُ سَيْفًا يَسْتَعِيدُ صَلَابَتَهُ، وَالمُغْتَرِبُ وَطَنًا يَحْمِلُهُ فِي صَدْرِهِ أَيْنَمَا حَلَّ وَارْتَحَلَ. وَهُوَ القُوَّةُ الَّتِي تَجْمَعُ مَا تَفَرَّقَ، وَتُضَمِّدُ مَا انْكَسَرَ، وَتَبْنِي مَا تَهَدَّمَ؛ وَإِنَّهُ لَجَيْشٌ يَرْفَعُ قَلْبَ الإِنْسَانِ عَلَى مَنَاصَّ الانْتِصَارِ، وَمِفْتَاحٌ يَفْتَحُ أَبْوَابَ القُلُوبِ لِتَنْفَجِرَ أَنْهَارُ الغَرَامِ. وَمَا مِنْ نَفْسٍ سَبَحَتْ فِي بَحْرِهِ إِلَّا عَادَتْ نَقِيَّةً، وَمَا مِنْ صَدْرٍ تَنَفَّسَهُ إِلَّا اتَّسَعَ وَانْشَرَحَ. وَالعِشْقُ يَا صَاحِبَ القَلْبِ هُوَ القُوَّةُ الَّتِي تُقِيمُ فِي الإِنْسَانِ مَمْلَكَةً مِنَ العَزْمِ، وَهُوَ الصَّوْتُ الَّذِي يُنَادِي فِي أَعْمَاقِهِ فَيُحَوِّلُ صَمْتَهُ إِلَى أُنْشُودَةٍ.

فَإِذَا غَابَ الغَرَامُ تَفَكَّكَ البُنْيَانُ، وَإِذَا حَضَرَ الحُبُّ انْبَعَثَتِ الأَحْلَامُ جُيُوشًا مِنْ نُورٍ. هُوَ القُوَّةُ الَّتِي تَصْنَعُ مَجْدَ الإِنْسَانِ، وَالمِفْتَاحُ الَّذِي يَفْتَحُ أَبْوَابَ الغَدِ. وَمَا مِنْ قَلْبٍ سَكَنَهُ العِشْقُ إِلَّا صَارَ عَرْشًا تَجْلِسُ عَلَيْهِ الحِكْمَةُ، وَمَا مِنْ نَفْسٍ أَضَاءَهَا الحُبُّ إِلَّا غَدَتْ مِصْبَاحًا يُنِيرُ طَرِيقَ الأُمَمِ؛ فَهُوَ طَاقَةُ النُّفُوسِ، وَنَفَسُ الحَيَاةِ، وَمِيثَاقُ النَّهْضَةِ.

وَإِنَّ العِشْقَ إِذَا اسْتَوْطَنَ القَلْبَ يَرْفَعُ الإِنْسَانَ مِنْ تُرَابِهِ إِلَى أُفُقِهِ الأَعْلَى، وَيُوقِظُ فِيهِ مَا نَامَ مِنْ هَيْبَةٍ وَشَجَاعَةٍ، وَيَدْفَعُهُ لِيَنْهَضَ كَمَنْ يُولَدُ ثَانِيَةً عَلَى شُرُفَاتِ النُّورِ. فَهُوَ الجَذْوَةُ الَّتِي تُشْعِلُ الْبَدْءَ، وَالرِّيحُ الَّتِي تَحْمِلُ سَفِينَةَ الحَيَاةِ إِلَى بَرِّ الأَمَانِ، وَالسَّرُّ الَّذِي إِذَا تَمَكَّنَ مِنْ صَدْرِ الإِنْسَانِ غَيَّرَ مَعَالِمَ الوَقْتِ وَتَجَاوَزَ حُدُودَ المَأْلُوفِ. وَالعِشْقُ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ الضَّعِيفَ قَلْعَةً لَا تُقْهَرُ، وَالمُنْكَسِرَ سَيْفًا يَسْتَعِيدُ بَهَاءَهُ، وَالحَائِرَ نَجْمًا يَهْتَدِي بِهِ السَّالِكُونَ.

وَمَا دَامَ فِي القُلُوبِ نَبْضٌ يَقُولُ: أُحِبُّ، فَإِنَّ فِي الدُّنْيَا قُدْرَةً تُطِيلُ الأَمَلَ، وَتَجْمَعُ مَا تَبَدَّدَ مِنْ أَشْلَاءِ الحَيَاةِ، وَتُقِيمُ لِلْإِنْسَانِ سَبِيلًا يَمْشِي فِيهِ كَأَنَّهُ يَمْشِي عَلَى جَسْرٍ مِنْ ضِيَاءٍ وَجَلَدٍ وَمَجْدٍ. فَالْعِشْقُ لَيْسَ حَالَةً تَمُرُّ، بَلْ هُوَ التَّاجُ الَّذِي يَتَوَّجُ الجَوْهَرَ الإِنْسَانِيَّ، وَالنَّفْحَةُ الَّتِي تَبْعَثُ فِي الصُّدُورِ مَعَانِيَ القُوَّةِ، وَالمِينَاءُ الَّذِي تَرْسُو عَلَيْهِ سَفِينَةُ الفِكْرِ لِتَبْدَأَ مِنْهُ الرِّحْلَةَ نَحْوَ يَوْمٍ أَجْمَلَ وَأَرْخَى وَأَعْلَى.

وَإِذَا كَانَ لِلتَّارِيخِ أَبْوَابٌ تَدْخُلُ مِنْهَا أَخْبَارُ المُلُوكِ، فَإِنَّ لِلْحُبِّ أَبْوَابًا أَعْظَمَ تُفْتَحُ عَلَى عَالَمٍ مِنْ نُورٍ وَمَعَانٍ. فَهُوَ زَوَالُ الأَنَانِيَّةِ وَقِيَامُ الإِنْسَانِيَّةِ، وَهُوَ الوَصْلُ بَعْدَ قَطِيعَةٍ، وَالوِدَادُ بَعْدَ وَحْشَةٍ، وَالسَّلَامُ بَعْدَ حَرْبٍ. هُوَ الجَذْرُ الَّذِي يَتَشَبَّثُ فِي الأَعْمَاقِ، وَالغُصْنُ الَّذِي يَتَسَامَى نَحْوَ السَّمَاءِ، وَالطَّرِيقُ الَّذِي يَجْمَعُ النُّفُوسَ عَلَى مَائِدَةِ الوُجُودِ.

فَبِالغَرَامِ يُزْرَعُ الأَمَلُ فِي الصُّدُورِ، وَبِالحُبِّ تُبْنَى دُورُ النُّفُوسِ عَلَى أَعْمِدَةٍ مِنْ نُورٍ، فَيُصْبِحُ الوُجُودُ مَدِينَةَ سَكِينَةٍ وَاطْمِئْنَانٍ، وَبِالوِدَادِ تَتَفَتَّحُ أَبْوَابُ القُلُوبِ فَيَدْخُلُهَا صَفَاءٌ يُشْبِهُ جَنَائِنَ البِشَارَةِ، وَبِالمَحَبَّةِ تَزُولُ أَدْرَانُ النُّفُوسِ وَتَزْدَانُ الأَيَّامُ بِلُؤْلُؤِ الوَفَاءِ، وَبِالمَوَدَّةِ تَتَّحِدُ القُلُوبُ كَأَنَّهَا سَيْلٌ نَقِيٌّ يَجْرِي فِي وَادِي الوُجُودِ، وَبِالعَاطِفَةِ يَتَلَأْلَأُ صَوْتُ الحَيَاةِ فَيُغَنِّي كُلُّ نَبْضٍ أُنْشُودَةَ أَمَلٍ رَخِيٍّ.

وَبِالْإِحْسَاسِ يَنْقَلِبُ الصَّمْتُ بَيَانًا وَيَتَحَوَّلُ الغُرُوبُ فَجْرًا مُشْرِقًا، وَبِالمَشَاعِرِ تَرْتَفِعُ سُقُوفُ العُقُولِ فَتَسْكُنُهَا أَطْيَافُ السُّرُورِ، وَبِالوِجْدَانِ يَنْفَتِحُ الحَرْفُ عَلَى جَنَاحَيْهِ فَيَسْبَحُ فِي فَضَاءِ الجَمَالِ، وَبِالعِشْقِ يَرْتَقِي الإِنْسَانُ إِلَى ذُرًى بَعِيدَةٍ فَيَصِيرُ نَفْسُهُ مَصَاعِدَ مِنْ نُورٍ، وَبِالغَرَامِ يَتَحَوَّلُ الوُجُودُ لَحْنًا مِنْ بَهَاءٍ فَتُزْهِرُ الطُّرُقُ وَتَتَرَنَّمُ المَعَانِي، وَبِالهُيَامِ يَصِيرُ كُلُّ مُحِبٍّ طَائِرًا تَحْمِلُهُ أَجْنِحَةُ الشَّوْقِ نَحْوَ آفَاقِ الحَنَانِ، وَبِالصَّبَابَةِ تَتَرَنَّمُ القُلُوبُ فَتَكْتُبُ أَغَانِيَ الوَفَاءِ فِي صُحُفِ الزَّمَنِ.

وَبِالحَنَانِ يَلِينَ الغِلْظُ وَتَسْقُطُ أَسْوَارُ القَسْوَةِ وَيَتَفَتَّحُ كُلُّ جُرْحٍ كَزَهْرَةٍ، وَبِالرِّقَّةِ تَتَحَوَّلُ الجِرَاحُ أَلْحَانًا وَتُصْبِحُ الدُّمُوعُ جَوَاهِرَ تُنِيرُ المَسَاءَ، وَبِالأُلْفَةِ تَجْتَمِعُ الطُّرُقُ وَيَقْرُبُ البَعِيدُ وَيُزْدَهِرُ المُعْتِمُ، وَبِالأُنْسِ يَحْلُو اللِّقَاءُ وَتَتَلَأْلَأُ الأَيَّامُ كَأَنَّهَا دُرَرٌ فِي عِقْدِ القَلْبِ، وَبِالأَشْوَاقِ يَرْتَجِفُ الحَنِينُ فِي مَسَامِعِ الوُجُودِ فَيَعْزِفُ أَعْذَبَ أَلْحَانِهِ.

وَبِالأَمَلِ يُغْسَلُ صَدَأُ الوُجُوهِ وَتُفْتَحُ أَبْوَابُ الغَدِ عَلَى نُورٍ، وَبِالوَفَاءِ تُزَيَّنُ الطُّرُقُ بِرَايَاتِ الثِّقَةِ فَيَبْقَى الحُبُّ سَيِّدًا عَلَى القُلُوبِ، وَبِالأَحْلَامِ يَكْبُرُ الوُجُودُ فَيَصِيرُ أَرَقَّ وَأَصْفَى وَأَبْهَى، وَبِالأَنْفَاسِ تَتَغَذَّى القُلُوبُ بِنُورِ الحَنَانِ فَتُورِقُ أَغْصَانُ العَطَاءِ، وَبِالنَّبْضِ يَمْشِي الزَّمَانُ أُنْشُودَةً وَيَتَحَوَّلُ العُمُرُ قَصِيدَةً، وَبِالأَهْوَاءِ تَتَرَنَّحُ النُّفُوسُ فَتُشْعِلُ فِي دُرُوبِهَا مَصَابِيحَ الأَمَانِي، وَبِالْإِخْلَاصِ يَصْفُو الغَرَامُ كَالمَاءِ الَّذِي لَا كَدَرَ فِيهِ وَلَا غُبَارَ، وَبِالإِجْلَالِ يَصِيرُ الحُبُّ تَاجًا يُزَيِّنُ القُلُوبَ وَيَرْفَعُهَا إِلَى سُدَّةِ الكَرَامَةِ.

وَبِالْإِعْجَابِ تُضِيءُ المَلَامِحُ فَيَغْدُو الوَجْهُ بُسْتَانًا مِنْ بَهَاءٍ، وَبِالرَّغْبَةِ يَنْفَتِحُ أُفُقُ الأُلْفَةِ فَيُفْرَشُ كُلُّ طَرِيقٍ بِأَزَاهِيرِ الأَمَلِ، وَبِالهِمَمِ يَرْتَقِي العِشْقُ إِلَى مَقَامَاتٍ عَالِيَةٍ فَيُضِيءُ حُدُودَ الحَيَاةِ، وَبِالتَّوْقِ يَرْتَعِدُ القَلْبُ كَوَتَرٍ يُنْشِدُ لَيْلَ الأَشْوَاقِ، وَبِالحُرْقَةِ يَتَوَهَّجُ الشَّوْقُ جَمْرًا يُنِيرُ الطُّرُقَ، وَبِالمَسَرَّةِ يَتَجَدَّدُ الوَجْدُ وَتُزْهِرُ النُّفُوسُ كَرَبِيعٍ دَائِمٍ، وَبِالبَهْجَةِ يَصِيرُ الغَرَامُ أَعْذَبَ أُنْشُودَةٍ وَتَتَحَوَّلُ الحَيَاةُ مَوْسِمًا مُزْدَهِرًا، وَبِالنَّشْوَةِ تَسْتَعِيرُ القُلُوبُ جَنَاحَيْنِ فَتُحَلِّقُ فِي أُفُقِ البَيَانِ، وَبِالسُّرُورِ يَسْكُنُ الوُجُودُ أَغَانِيَ رِضًا، وَبِالرِّضَا تَكْتَمِلُ الحِكَايَةُ فَيُتَوَّجُ العِشْقُ مَلِكًا يُسَيِّرُ الأَيَّامَ فِي جَلَاءٍ وَبَهَاءٍ.