
فِي رِحَابِ الْحُرِّيَّةِ
أُنْشُودَةُ الِانْطِلَاقِ، وَبَيَانُ الْبِدَايَةِ
كِتَابُ «فِي رِحَابِ الْحُرِّيَّةِ» لِلدُّكْتُورِ يُوسُفَ أَحْمَدَ الْمِيعَارِيِّ، صَدَرَ عَنِ الْمَكْتَبَةِ الْعَصْرِيَّةِ فِي صَيْدَا، لُبْنَانَ.
نَبْضٌ بَيْنَ دَفَّتَيْنِ
إِنِّي، وَأَنَا أُوَدِّعُ صَفَحَاتِ هٰذَا الْكِتَابِ، أَشْعُرُ أَنَّنِي لَا أَطْوِي وَرَقًا فَقَطْ، بَلْ أَطْوِي مَعَهُ رِحْلَةً مُمْتَدَّةً فِي أَعْمَاقِ الْمَعَانِي وَجَوْهَرِ الْقِيَمِ. مَا كَانَتْ هٰذِهِ الْكَلِمَاتُ حِبْرًا عَلَى وَرَقٍ، بَلْ كَانَتْ نَبْضًا فِي صَدْرٍ، وَشُعْلَةً فِي طَرِيقٍ، وَمِيثَاقًا يُرِيدُ أَنْ يَبْقَى مَعَ الْأَجْيَالِ. وَأَكْبَرُ مَا أَرَدْنَا أَنْ نُثْبِتَهُ هُنَا أَنَّ الْحُرِّيَّةَ الْحَقَّةَ لَيْسَتْ شِعَارًا يُرْفَعُ، وَلَا لَفْظًا يُرَدَّدُ، بَلْ هِيَ مَسْؤُولِيَّةٌ تُصَانُ، وَعَهْدٌ يُرْفَعُ عَلَى كَتِفِ كُلِّ جِيلٍ.
الْحُرِّيَّةُ الْحَقَّةُ، يَا صَاحِبِي، هِيَ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ صَادِقًا مَعَ نَفْسِهِ، نَقِيًّا فِي قَلْبِهِ، أَمِينًا فِي فِعْلِهِ، شُجَاعًا فِي مَوْقِفِهِ. فَهِيَ لَيْسَتْ هِبَةً تُعْطَى، وَلَا غَنِيمَةً تُقَسَّمُ، بَلْ هِيَ نَفْسٌ كَرِيمَةٌ تُرَبَّى عَلَى الْعِزَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْعَدْلِ. وَمَا أَجَلَّ أَنْ نُرَبِّيَ أَبْنَاءَنَا عَلَى أَنَّ الْحُرِّيَّةَ هِيَ صَوْنُ الْكَرَامَةِ، وَأَنْ نُعَلِّمَ بَنَاتِنَا أَنَّ الْحُرِّيَّةَ هِيَ سِتْرُ الْقِيَمِ وَحِفْظُ الذَّاتِ. فَالْحُرِّيَّةُ، فِي جَوْهَرِهَا، لَيْسَتْ خُرُوجًا عَنِ الْأَخْلَاقِ، بَلْ هِيَ إِعَادَةٌ لِلْأَخْلَاقِ إِلَى مَقَامِهَا الْأَسْمَى.
إِنَّ الْأُمَمَ الْعَظِيمَةَ، يَا صَاحِبِي، لَا تُقَاسُ بِكَمِّ جُيُوشِهَا وَلَا بِعَدَدِ قُصُورِهَا، بَلْ تُقَاسُ بِمَا تُرَبِّي فِيهَا مِنْ قُلُوبٍ حُرَّةٍ وَأَرْوَاحٍ عَفِيفَةٍ. فَإِذَا نَشَأَ الْوَلَدُ عَلَى الْعِزَّةِ، وَتَرَبَّتِ الْبِنْتُ عَلَى الْعِفَّةِ، كَانَتِ الْأُمَّةُ كَالْبُنْيَانِ الَّذِي لَا يَهْدِمُهُ زَمَنٌ، وَلَا تُزَعْزِعُهُ عَوَاصِفُ. وَكَيْفَ لَا، وَالْحُرِّيَّةُ الْحَقَّةُ هِيَ أَنْ يَكُونَ الْوَطَنُ أُسْرَةً كَبِيرَةً، يُصَانُ فِيهَا الْجَسَدُ، وَتُحْفَظُ فِيهَا الْقِيَمُ، وَيُرْعَى فِيهَا النَّسْلُ بِالزَّوَاجِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ وَالْأَخْلَاقِ.
اقْرَأِ النَّصَّ كَامِلًا
وَمَا أَبْهَى أَنْ نُدْرِكَ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ الْحَقَّةَ هِيَ مِفْتَاحُ التَّقَدُّمِ، وَمِيزَانُ الْعَدْلِ، وَمَطْلَعُ الْكَرَامَةِ. فَهِيَ الَّتِي تُحَرِّرُ الْعَقْلَ لِيُبْدِعَ، وَالْقَلْبَ لِيُحِبَّ، وَالْيَدَ لِتَعْمُرَ، وَاللِّسَانَ لِيَقُولَ الْحَقَّ. الْحُرِّيَّةُ الْحَقَّةُ هِيَ أَنْ نَكُونَ نَحْنُ، لَا صُوَرًا مُسْتَعَارَةً وَلَا أَصْوَاتًا مُزَيَّفَةً. هِيَ أَنْ نُصَارِحَ الدَّهْرَ بِمَا نُؤْمِنُ بِهِ، وَأَنْ نَكُونَ صَفْحَةً صَافِيَةً فِي كِتَابِ التَّارِيخِ.
إِنِّي أُوصِي الْقَارِئَ، وَهُوَ يُغْلِقُ أَوْرَاقَ هٰذَا الْكِتَابِ، أَنْ يَجْعَلَ الْحُرِّيَّةَ الْحَقَّةَ عَهْدًا يَحْمِلُهُ فِي صَدْرِهِ، وَوَصِيَّةً يُسَلِّمُهَا لِأَوْلَادِهِ، وَمِفْتَاحًا يَفْتَحُ بِهِ أَبْوَابَ الْغَدِ. فَالْحُرِّيَّةُ الْحَقَّةُ هِيَ أَنْ نُرَبِّيَ أَجْيَالًا تُؤْمِنُ بِالْعَدْلِ، وَتَسِيرُ عَلَى الْقِيَمِ، وَتَرْفَعُ رَايَةَ الْمَحَبَّةِ. وَمَا أَبْلَغَ أَنْ يَكُونَ خِتَامُ الْكِتَابِ بِدَايَةَ وَصِيَّةٍ جَدِيدَةٍ تَسْكُنُ فِي كُلِّ قَلْبٍ صَادِقٍ.
وَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ الْقَلَمَ قَدْ يَجِفُّ، وَأَنَّ الْوَرَقَ قَدْ يَنْطَوِي، وَلٰكِنَّ الْحُرِّيَّةَ الْحَقَّةَ لَا تَجِفُّ وَلَا تَنْطَوِي. فَهِيَ نَبْضُ الْأُمَمِ، وَنُورُ الطَّرِيقِ، وَمِيثَاقُ الْغَدِ. وَسَيَذْكُرُ التَّارِيخُ أَنَّ أُمَّةً آمَنَتْ بِهَا بَقِيَتْ، وَأَنَّ شَعْبًا حَمَلَهَا صَعِدَ، وَأَنَّ كِتَابًا نَادَى بِهَا كَانَ صَوْتًا يَتَرَدَّدُ فِي صُدُورِ الْأَجْيَالِ. فَإِنْ كَانَ الْكِتَابُ قَدِ انْتَهَى، فَالْمَعْنَى لَمْ يَنْتَهِ، وَإِنْ كَانَتِ الْكَلِمَاتُ قَدْ سَكَنَتْ عَلَى الْوَرَقِ، فَإِنَّهَا تَبْقَى تَنْبُضُ فِي كُلِّ صَدْرٍ حُرٍّ. فَاحْفَظُوا هٰذَا الْعَهْدَ، وَاجْعَلُوا الْحُرِّيَّةَ الْحَقَّةَ دَائِمًا مِفْتَاحَ حَيَاتِكُمْ، فَهِيَ وَصِيَّتُنَا لَكُمْ، وَهِيَ صَوْتُنَا بَعْدَ أَنْ يَسْكُتَ الْقَلَمُ.
وَمَا الْكِتَابُ، عِنْدَ مُنْتَهَى طَرِيقِهِ، إِلَّا شَهَادَةُ حُضُورٍ فِي زَمَنٍ يُرَادُ لِلْمَعَانِي فِيهِ أَنْ تَذْوِيَ، وَلِلْقِيَمِ أَنْ تَتَقَلَّصَ حَتَّى تُصْبِحَ ظِلًّا بَاهِتًا. فَهُنَا لَا يَبْقَى لِلتَّجْمِيلِ مَوْضِعٌ، وَلَا لِلْمُرَاوَغَةِ مَفَرٌّ؛ إِمَّا حُرِّيَّةٌ تُنْجِبُ إِنْسَانًا مُسْتَقِيمَ الْقَامَةِ، وَإِمَّا زَيْفٌ يُغَلِّفُ الِانْحِدَارَ بِأَلْفَاظٍ نَاعِمَةٍ وَيَسُوقُ السُّقُوطَ فِي ثِيَابِ التَّقَدُّمِ. وَإِنَّ الْأُمَمَ لَا تَهْوِي فَجْأَةً، بَلْ تَنْحَرِفُ قَلِيلًا قَلِيلًا، حَتَّى تَجِدَ نَفْسَهَا بِلَا أَثَرٍ، وَبِلَا اتِّجَاهٍ، وَبِلَا مَعْنًى.
إِنَّ الْحُرِّيَّةَ الَّتِي نَحْمِلُهَا فِي هٰذِهِ الْكَلِمَاتِ لَيْسَتْ قَطْعًا مَعَ الْفِطْرَةِ، بَلْ رُجُوعًا إِلَى نَقَائِهَا، وَلَيْسَتْ تَمَرُّدًا عَلَى الْإِنْسَانِ، بَلِ اسْتِعَادَةً لِجَوْهَرِهِ. فَحِينَ يُدْفَعُ الْإِنْسَانُ إِلَى التَّخَلِّي عَنْ مَعْنَاهُ بِاسْمِ التَّحَرُّرِ، يَكُونُ ذٰلِكَ تَجْرِيدًا لَا تَحْرِيرًا، وَتَفْرِيغًا لَا تَمْكِينًا. وَمَا أَسْهَلَ أَنْ تُغْوَى الْعُقُولُ بِالشِّعَارِ، وَمَا أَثْقَلَ أَنْ تُحْمَلَ النُّفُوسُ عَلَى الْمَوْقِفِ. فَالْحُرِّيَّةُ الْحَقَّةُ لَا تُنَازِلُ الْأَخْلَاقَ، بَلْ تَتَّكِئُ عَلَيْهَا، وَلَا تُذِيبُ الْفُرُوقَ، بَلْ تَضَعُهَا فِي نِصَابِهَا، حِفَاظًا عَلَى التَّوَازُنِ، وَصَوْنًا لِلْمَعْنَى.
وَحِينَ تَفْقِدُ الْأُمَمُ بُوصْلَتَهَا الْأَخْلَاقِيَّةَ، تَتَحَوَّلُ إِلَى أَجْسَادٍ مُتَحَرِّكَةٍ بِلَا رُوحٍ، وَأَصْوَاتٍ مُتَكَاثِرَةٍ بِلَا جِهَةٍ. فَصَخَبُ الْمَنَابِرِ لَا يَصْنَعُ قِيَمًا، وَكَثْرَةُ الْمُصْطَلَحَاتِ لَا تُنْقِذُ مَصِيرًا. إِنَّمَا تَبْقَى الْأُمَمُ بِمَا تُحَافِظُ عَلَيْهِ فِي دَاخِلِهَا: أُسْرَةٍ مُتَمَاسِكَةٍ، وَحَيَاءٍ يَحْرُسُ السُّلُوكَ، وَعِفَّةٍ تَمْنَعُ الِانْهِيَارَ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ. فَحَيْثُ تُهْدَمُ هٰذِهِ الدِّعَامَاتُ بِاسْمِ الْحُرِّيَّةِ، يَبْدَأُ التَّفَكُّكُ مِنَ الدَّاخِلِ، وَتَتَآكَلُ الْأُسُسُ حَتَّى يَصِيرَ السُّقُوطُ مَسَارًا لَا حَادِثَةً.
وَلِهٰذَا فَإِنَّ هٰذِهِ الْكَلِمَاتِ لَا تُلْقِي خِطَابًا، وَلَا تَطْلُبُ اسْتِحْسَانًا، بَلْ تُثَبِّتُ مَوْقِفًا. إِنَّهَا لَا تُسَلِّمُ رَايَةً بَلْ تُشْعِلُ مِشْعَلًا، وَلَا تَسْتَجْدِي مُوَافَقَةً بَلْ تُحَمِّلُ أَمَانَةً. فَالْحُرِّيَّةُ الَّتِي نُؤْمِنُ بِهَا لَا تُوَرَّثُ نُصُوصًا، بَلْ تُنْقَلُ قِيَمًا، وَلَا تَسْتَقِرُّ فِي الدُّسْتُورَاتِ مَا لَمْ تَسْتَقِرَّ فِي النُّفُوسِ. وَبِذٰلِكَ يَبْقَى الْمَعْنَى حَيًّا، وَتَبْقَى الْقِيَمُ فَاعِلَةً، وَتَبْقَى الْحُرِّيَّةُ اسْمًا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعَاشَ، لَا شِعَارًا يُرْفَعُ ثُمَّ يُنْسَى.
وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ الْكَلِمَةَ الَّتِي تُرِيدُ أَنْ تَبْقَى لَا تَكْفِيهَا بَلَاغَةُ اللَّفْظِ حَتَّى تَسْتَوْطِنَ السُّلُوكَ، وَلَا يَحْمِيهَا جَرْسُ الْعِبَارَةِ حَتَّى تَتَحَوَّلَ إِلَى نِظَامٍ فِي الدَّاخِلِ وَمِيزَانٍ فِي الْعَمَلِ. فَالْحُرِّيَّةُ الَّتِي نُثْبِتُهَا هُنَا لَيْسَتْ زَهْوًا فِي الْمَشَاهِدِ، بَلْ وَقَارٌ فِي الْمَحَاضِنِ، وَلَيْسَتْ ضَجِيجًا فِي الْمَنَابِرِ، بَلْ سَكِينَةٌ فِي الضَّمِيرِ.
وَإِنَّ الْأُمَّةَ إِذَا صَانَتْ أُسْرَتَهَا صَانَتْ دَوْلَتَهَا، وَإِذَا أَكْرَمَتِ الْحَيَاءَ أَكْرَمَتِ الْمُسْتَقْبَلَ، وَإِذَا رَعَتِ الْقِيَمَ أَقَامَتِ الْعَدْلَ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ. وَعِنْدَئِذٍ تَسْتَقِيمُ الْحُرِّيَّةُ عَلَى قَامَتِهَا، فَتُصْبِحُ حِرَاسَةً لِلْكَرَامَةِ، وَسُلَّمًا لِلْعُمْرَانِ، وَمِشْعَلًا لَا تُطْفِئُهُ رِيَاحُ التَّلْبِيسِ، وَلَا يَطْمِسُهُ غُبَارُ الشَّهْوَةِ. وَبِهٰذَا تُكْتَبُ الْأَيَّامُ فِي سِجِلِّ الْأُمَمِ كِتَابًا مِنْ نُورٍ.


