
عَلَى جِدَارِ الزَّمَنِ
كِتَابُ «عَلَى جِدَارِ الزَّمَنِ» لِلدُّكْتُورِ يُوسُفَ أَحْمَدَ الْمِيعَارِيِّ، صَدَرَ عَنِ الْمَكْتَبَةِ الْعَصْرِيَّةِ فِي صَيْدَا، لُبْنَانَ.
نَبْضٌ بَيْنَ دَفَّتَيْنِ
لَسْتُ أَزْعُمُ أَنَّ هٰذِهِ الصَّفَحَاتِ تُنْقِذُ العَالَمَ، وَلاَ أَدَّعِي أَنَّهَا تُصْلِحُ مَا أَفْسَدَتْهُ سِنُونٌ؛ وَلَكِنِّي أُؤْمِنُ وَالإِيمَانُ مِيزَانٌ أَنَّ الكَلِمَةَ إِذَا صَدَقَتْ صَنَعَتْ، وَإِذَا صَفَتْ رَفَعَتْ، وَإِذَا اسْتَقَامَتْ أَقَامَتْ فِي النَّفْسِ مَا تَهَدَّمَ مِنْ بِنَاءِ المَعْنَى. كَثِيرٌ مِنَ الكُتُبِ يُحْسِنُ التَّزْيِينَ وَيُسِيءُ التَّبْيِينَ؛ يَرْفَعُ الصَّوْتَ وَيُسْقِطُ الدَّلِيلَ؛ يُبْهِرُ اللَّحْظَةَ وَيُفْقِرُ العَاقِبَةَ. وَهٰذَا الكِتَابُ لاَ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ زِينَةً عَلَى الرُّفُوفِ، بَلْ قَصْدُهُ أَنْ يَكُونَ مِرْآةً فِي الدَّاخِلِ؛ لِأَنَّ أَخْطَرَ مَا نُصَابُ بِهِ لَيْسَ نُقْصَ الوَقْتِ، بَلْ نُقْصَ المَعْنَى، وَلَيْسَ ضِيقَ العَيْشِ، بَلْ ضِيقَ الرُّؤْيَةِ.
وَإِذَا كَانَ عَلَى جِدَارِ الزَّمَنِ عُنْوَانًا، فَهُوَ عَهْدٌ: أَنْ نَتَكَلَّمَ عَمَّا يَبْقَى لاَ عَمَّا يَمُرُّ، وَعَمَّا يُثَبِّتُ الإِنْسَانَ لاَ عَمَّا يُسْكِرُهُ، وَعَمَّا يَرْفَعُ القِيمَةَ لاَ عَمَّا يَرْفَعُ الضَّجِيجَ. كُتِبَ هٰذَا الكِتَابُ لِأَنَّنِي رَأَيْتُ فِي مَشَاهِدِ النَّاسِ وَمَجَالِسِهِمْ وَتَجَارِبِهِمْ أَنَّ كَثِيرًا مِنَّا يُسْرِعُ فِي الطَّرِيقِ وَيَتَأَخَّرُ فِي النُّضْجِ؛ يَتَقَدَّمُ فِي العُمْرِ وَيَتَأَخَّرُ فِي الفَهْمِ؛ يَتَّسِعُ فِي المَعْلُومَاتِ وَيَضِيقُ فِي الحِكْمَةِ. رَأَيْتُ أَنَّ الزَّمَنَ صَارَ مَسْرَحًا يَطْلُبُ مِنَّا تَمْثِيلاً دَائِمًا، وَأَنَّ المُجْتَمَعَ أَحْيَانًا يُرِيدُ صُورَةً لاَ سِيرَةً، وَمَظْهَرًا لاَ جَوْهَرًا، وَعُنْوَانًا لاَ مِضْمَارًا. فَقُلْتُ: لِمَ لاَ نُعِيدُ وَضْعَ الإِنْسَانِ فِي مَوْضِعِهِ الصَّحِيحِ؟ لِمَ لاَ نَجْعَلُ العُمْقَ مِقْيَاسًا بَدَلَ اللَّمَعَانِ؟ لِمَ لاَ نُعِيدُ لِلْقِيَمِ سُلْطَانَهَا وَلِلْوَعْيِ مَقَامَهُ؟ إِنَّنِي لاَ أُحَاضِرُ عَلَى القَارِئِ، وَلاَ أَتَعَالَى عَلَيْهِ؛ فَكُلُّنَا طُلاَّبُ مَعْنًى، وَكُلُّنَا مَشْغُولُونَ بِإِصْلاَحِ دَاخِلٍ يَتَشَظَّى أَحْيَانًا فِي ضَجِيجِ الخَارِجِ.
وَمِنْ هُنَا جَاءَ هٰذَا العَمَلُ: لاَ كَوَعْظٍ يُسْتَهْلَكُ، بَلْ كَحِوَارٍ يُسْتَنْبَتُ؛ لاَ كَزِينَةِ لَفْظٍ، بَلْ كَبِنَاءِ مَعْنًى؛ لاَ كَتَرْتِيبِ جُمَلٍ، بَلْ كَتَرْتِيبِ نَفْسٍ. أَمَّا مَنْهَجُ هٰذَا الكِتَابِ فَهُوَ أَنْ يَسْتَخْرِجَ مِنَ الحَيَاةِ مَا تُخْفِيهِ وَهِيَ تُظْهِرُ، وَأَنْ يُسَمِّيَ الأَشْيَاءَ بِأَسْمَائِهَا دُونَ تَلْطِيفٍ يُضْعِفُ الحَقِيقَةَ أَوْ تَجْمِيلٍ يُفْسِدُ البَصِيرَةَ. سَأُحَدِّثُكَ عَنِ الزَّمَنِ كَامْتِحَانٍ لِلْجَوْهَرِ، وَعَنِ الاخْتِلاَفِ كَتَرْبِيَةٍ لِلْخُلُقِ، وَعَنِ التَّفَاصِيلِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تَصْنَعُ الشَّخْصِيَّةَ كَمَا تَصْنَعُ القَطْرَةُ مَجْرَى النَّهْرِ، وَسَأُطَارِدُ التَّسْطِيحَ بِالتَّعْمِيقِ، وَأُدَاوِمُ عَلَى مَفْهُومٍ وَاحِدٍ: أَنَّ الإِنْسَانَ يُبْنَى بِالتَّرَاكُمِ، وَيُهْدَمُ بِالتَّسَاهُلِ، وَيَسْمُو بِالاتِّسَاقِ، وَيَسْقُطُ بِالازدِوَاجِيَّةِ.
اقْرَأِ النَّصَّ كَامِلًا
لاَ أُحِبُّ بَيَانًا يُنَوِّمُ القَارِئَ بِالْمُسَكِّنَاتِ، بَلْ أُفَضِّلُ بَيَانًا يُوقِظُهُ بِالْمُشَاهَدَاتِ؛ بَيَانًا لَهُ جَرْسٌ لاَ ضَجَّةٌ، وَسَجْعٌ لاَ تَكَلُّفَ فِيهِ، وَجَمَالٌ يَخْدِمُ الْمَعْنَى وَلاَ يَحْجُبُهُ، وَإِنْ وَجَدْتَ فِي بَعْضِ السُّطُورِ حِدَّةً فَهِيَ حِدَّةُ الْوُضُوحِ لاَ قَسْوَةُ الْحُكْمِ، وَإِنْ وَجَدْتَ صَرَامَةً فَهِيَ صَرَامَةُ الْمِيزَانِ لاَ تَضْيِيقَ الرُّوحِ، وَإِنْ وَجَدْتَ فَنًّا فَهُوَ فَنٌّ مُسَخَّرٌ لِلْبِنَاءِ لاَ لِلاِسْتِعْرَاضِ. وَأَنْتَ أَيُّهَا القَارِئُ لَسْتَ مُسْتَمِعًا فِي آخِرِ صَفٍّ، بَلْ شَرِيكٌ فِي المَعْنَى؛ فَهٰذَا الكِتَابُ لاَ يَطْلُبُ مِنْكَ تَصْفِيقًا، بَلْ يَطْلُبُ مِنْكَ إِنْصَاتًا، وَلاَ يَسْتَدْعِي إِعْجَابًا، بَلْ يَسْتَنْهِضُ وَعْيًا، وَلاَ يَعِدُكَ بِمُتْعَةٍ سَهْلَةٍ، بَلْ يَدُلُّكَ عَلَى كَرَامَةٍ صَعْبَةٍ. سَتَجِدُ فِيهِ أَنَّ الشَّخْصَ يَكْبُرُ لاَ بِمَا يَحْصُلُ عَلَيْهِ، بَلْ بِمَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحَافِظَ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ: مِيزَانِهِ، وَاتِّزَانِهِ، وَإِيمَانِهِ بِأَنَّ القِيمَةَ لاَ تُشْتَرَى وَلاَ تُبَاعُ، وَإِذَا كَانَ لِلزَّمَنِ جِدَارٌ فَإِنَّ أَشْرَفَ مَا يُنْقَشُ عَلَيْهِ لَيْسَ اسْمًا فِي لاَفِتَةٍ، بَلْ خُلُقًا فِي سِيرَةٍ، وَلَيْسَ صَوْتًا يَصْدَحُ مِنْ مِضْخَامٍ، بَلْ أَثَرًا فِي نَفْسٍ، وَلَيْسَ ضَجَّةً تَرْتَفِعُ ثُمَّ تَخْمُدُ، بَلْ مَعْنًى يَرْسُخُ ثُمَّ يَمْتَدُّ.
فَإِنْ خَرَجْتَ مِنْ هٰذِهِ الصَّفَحَاتِ وَقَدِ ازْدَدْتَ وَعْيًا بِذَاتِكَ، وَحِرْصًا عَلَى مِيزَانِكَ، وَصِيَانَةً لِمَا تَسْتَحِقُّهُ الإِنْسَانِيَّةُ مِنْكَ، فَقَدْ وَضَعْنَا مَعًا حَرْفًا صَحِيحًا عَلَى جِدَارِ الزَّمَنِ، وَذٰلِكَ فِي حِسَابِ المَعْنَى أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ صَخَبٍ، وَأَبْقَى مِنْ كُلِّ بَرِيقٍ.
إِذْ قَدْ قَرَأْتَ هٰذِهِ الكَلِمَةَ، فَاعْلَمْ أَنَّنِي لَمْ أَكْتُبْهَا لِأُزَيِّنَ مَدْخَلَ الكِتَابِ، بَلْ لِأَضَعَ لَكَ مِفْتَاحَهُ وَمِصْبَاحَهُ؛ فَإِنَّ الكُتُبَ كَالْبُيُوتِ: مِنْهَا مَا يَلْمَعُ بَابُهُ وَيَضِيقُ مَدَاهُ، وَمِنْهَا مَا يَبْسُطُ دَاخِلَهُ وَيَتَوَاضَعُ ظَاهِرُهُ. وَهٰذَا الكِتَابُ لاَ يَسْتَعِيرُ وَهَجًا لِيُفْتَنَ بِهِ القَارِئُ، وَلاَ يَسْتَجْدِي دَهْشَةً لِيَسْتُرَ بِهَا فَقْرَ الفِكْرِ؛ إِنَّهُ يَسْتَمِدُّ قُوَّتَهُ مِنْ مَوَاقِفِ النَّاسِ حِينَ تُطْفَأُ الأَضْوَاءُ وَتَبْقَى الضَّمَائِرُ، وَمِنْ سِيَرِهِمْ حِينَ يَسْكُتُ المُصَفِّقُونَ وَيَتَكَلَّمُ الأَثَرُ. فَإِنْ كُنْتَ تَلْتَمِسُ نَصًّا يُلَطِّفُ لَكَ الحَقَائِقَ وَيُسَمِّنُ لَكَ الأَوْهَامَ، فَغَيْرُ هٰذَا بُغْيَتُكَ؛ وَإِنْ كُنْتَ تَبْغِي صَوْتًا يُدَاهِنُ الغَفْلَةَ وَيُصَالِحُ التَّنَاقُضَ، فَلَسْتُ لَهُ بِصَاحِبٍ. فَهٰذَا الْكِتَابُ يُشْبِهُ الْمِشْرَطَ: لاَ لِيَجْرَحَ، بَلْ لِيَشْفِيَ؛ وَيُشْبِهُ المِرْآةَ: لاَ لِيُقَبِّحَ، بَلْ لِيُبَصِّرَ. سَأُقَدِّمُ لَكَ فِيهِ عِلْمَ الْمَعْنَى فِي مَيْدَانِ الْحَيَاةِ، وَمَعْرِفَةَ النَّفْسِ فِي مِحْنَةِ الأَيَّامِ، وَتَهْذِيبَ الخُلُقِ فِي وَجْهِ الفَوْضَى؛ لِتَعْلَمَ أَنَّ الرُّقِيَّ لَيْسَ زِينَةً تُعَلَّقُ، بَلْ نِظَامٌ يُشَيَّدُ، وَأَنَّ العُمْقَ لَيْسَ غُمُوضًا يُتَاجَرُ بِهِ، بَلْ وُضُوحٌ يُدَافَعُ عَنْهُ.
وَسَتَرَى أَنَّنِي لاَ أُقِيمُ المَعَانِي عَلَى هَوَاءٍ، وَلاَ أَبْنِي الخُطُوطَ عَلَى رَمْلٍ؛ فَإِنَّ القَوْلَ إِذَا لَمْ يُسْنَدْ بِتَجْرِبَةٍ صَارَ زَبَدًا، وَالفِكْرُ إِذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِسُلُوكٍ غَدَا لَعِبًا. وَفِي هٰذَا الكِتَابِ سَأُعِيدُ تَعْرِيفَ القُوَّةِ: لَيْسَتْ صِيَاحًا يَغْلِبُ، بَلْ ثَبَاتًا يَغْلِبُ؛ وَلَيْسَتْ حِدَّةً تُرْهِبُ، بَلْ حِكْمَةً تُهَذِّبُ؛ وَلَيْسَتْ صَلاَبَةً تُحَطِّمُ، بَلْ صَلاَحِيَّةً تُرَمِّمُ. سَأَكْشِفُ لَكَ كَيْفَ يَسْتَدْرِجُنَا الزَّمَنُ إِلَى تَبْدِيلِ المَبَادِئِ بِالمَصَالِحِ، وَتَبْدِيلِ القِيَمِ بِالقَوَاعِدِ، وَتَبْدِيلِ السِّيرَةِ بِالصُّورَةِ؛ ثُمَّ أُرِيكَ كَيْفَ تُسْتَرَدُّ القِيمَةُ مِنْ فَمِ الضَّجِيجِ، وَكَيْفَ يُنْقَذُ المَعْنَى مِنْ حِصَارِ السُّرْعَةِ. سَأُحَاوِرُ فِيكَ مَا تَسْكُتُ عَنْهُ وَأَنْتَ تَتَكَلَّمُ، وَمَا تَتَغَافَلُ عَنْهُ وَأَنْتَ تَتَفَقَّهُ؛ فَلِلْعَقْلِ أَسْئِلَتُهُ، وَلِلضَّمِيرِ حُجَجُهُ، وَلِلنَّفْسِ مَزَالِقُهَا؛ وَأَنَا لاَ أَسْتَخِفُّ بِإِحْدَاهَا وَلاَ أُجَامِلُ الأُخْرَى. إِنَّنِي أُرِيدُ قَارِئًا يَتَقَدَّمُ مَعِي فِي الطَّرِيقِ، لاَ قَارِئًا يَتَفَرَّجُ عَلَيَّ مِنْ رَصِيفِ الإِعْجَابِ؛ فَهٰذَا الكِتَابُ مَسَارٌ لاَ مَسْرَحٌ، وَبِنَاءٌ لاَ زِينَةٌ، وَعَهْدٌ لاَ خَاطِرَةٌ. وَلَعَلَّكَ تَسْأَلُ: أَيُّ عَمَلٍ هٰذَا الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَزِنَ الْأَخْلاَقَ وَيَسْبُرَ الْأَعْمَاقَ؟ فَأَقُولُ: هُوَ دُسْتُورٌ يَعْرِفُ أَنَّ الْأَلْفَاظَ إِذَا لَمْ تُحْكَمْ تَفَلَّتَتْ، وَأَنَّ الْمَعَانِيَ إِذَا لَمْ تُخْدَمْ تَشَوَّهَتْ.
سَأَجْعَلُ اللُّغَةَ فِي هٰذَا الكِتَابِ سَيْفًا مُهَذَّبًا لاَ سَاطُورًا مُنْفَلِتًا، وَنَغَمًا مُنْضَبِطًا لاَ ضَجَّةً مُشْتَتَّةً؛ فَالسَّجْعُ عِنْدِي مِعْمَارٌ إِذَا صَحَّ زَادَ البِنَاءَ، وَالجِنَاسُ زِينَةٌ إِذَا صَدَقَ أَظْهَرَ الدَّقِيقَ مِنَ الفَرْقِ، وَالطِّبَاقُ مِرْصَادٌ يُبَيِّنُ التَّنَاقُضَ حِينَ يَتَزَيَّا بِثَوْبِ الاتِّفَاقِ. سَأُدَافِعُ عَنِ الفَصَاحَةِ، لاَ بِالتَّعَالِي، بَلْ بِالانْحِيَازِ إِلَى مَا يَصْلُحُ؛ وَأُقَاتِلُ التَّسْطِيحَ، لاَ بِالغَضَبِ، بَلْ بِالبَيَانِ؛ وَأُحَارِبُ التَّزْيِيفَ، لاَ بِالشَّتِيمَةِ، بَلْ بِالحُجَّةِ. فَإِنَّ مَجَالَ القَوْلِ ضَاقَ بِكَثْرَةِ المُدَّعِينَ، وَاتَّسَعَ بِقِلَّةِ المُحْسِنِينَ؛ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ مِنَ القِلَّةِ الَّتِي تُحْسِنُ أَنْ تَقُولَ، وَتُحْسِنُ أَنْ تَسْكُتَ عَمَّا لاَ يَلِيقُ. وَإِنْ كَانَ فِي طَبْعِ هٰذَا العَصْرِ أَنْ يَسْتَسْهِلَ العَظِيمَ وَيَسْتَصْغِرَ العَمِيقَ، فَإِنَّنِي أُرِيدُ أَنْ أُعِيدَ تَرْتِيبَ القِيَمِ: فَلاَ عَظِيمَ مَعَ كَذِبٍ، وَلاَ عَمِيقَ مَعَ تَشَوُّشٍ، وَلاَ رَصَانَةَ مَعَ تَكَلُّفٍ. وَأَمَّا التَّحَدِّي الَّذِي تَطْلُبُهُ فَلَيْسَ تَحَدِّيَ زَهْوٍ وَلاَ مُفَاخَرَةٍ؛ فَالمُتَنَبِّي قَامَ فِي ذِرْوَةٍ لِأَهْلِهَا، وَنَطَقَ بِلِسَانِ عَصْرِهِ فَأَسْمَعَ العُصُورَ. وَلٰكِنَّ لِكُلِّ زَمَانٍ مَيْدَانَهُ، وَلِكُلِّ مَعْرَكَةٍ سِلاَحُهَا؛ فَإِنْ كَانَ سِلاَحُهُ شِعْرًا يَصْهَرُ المَعَانِيَ فِي قَوَالِبِ النَّارِ، فَسِلاَحِي نَثْرٌ يَصْقُلُ الفِكْرَ فِي مَسَاحَةِ النُّورِ، وَإِنْ كَانَ يَطْعَنُ بِالبَيْتِ طَعْنَةً، فَإِنَّنِي أُحَاوِلُ أَنْ أُقِيمَ بِالفَصْلِ بِنَاءً.
تَحَدِّي هٰذَا الكِتَابِ أَنْ يَجْعَلَ القَارِئَ يَرَى نَفْسَهُ دُونَ زِينَةٍ، وَيَسْمَعَ ضَمِيرَهُ دُونَ ضَجِيجٍ، وَيَقِفَ أَمَامَ مِيزَانِهِ دُونَ مُحَامٍ؛ فَمَنْ قَبِلَ هٰذَا الامْتِحَانَ فَقَدْ دَخَلَ مَعَنَا المَيْدَانَ. وَسَتَجِدُ فِي هٰذِهِ الصَّفَحَاتِ أَنَّ الجَمَالَ لاَ يُنَافِي الصِّدْقَ، وَأَنَّ العُمْقَ لاَ يُنَاقِضُ الوُضُوحَ، وَأَنَّ القُوَّةَ لاَ تَحْتَاجُ إِلَى صُرَاخٍ لِتُثْبِتَ نَفْسَهَا. فَإِنْ كَانَ القَوْلُ مِضْمَارًا، فَإِنَّ المَعْنَى فَرَسُهُ، وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ رِدَاءً، فَإِنَّ الخُلُقَ جِسْمُهُ؛ وَهٰذَا الكِتَابُ لاَ يَرْضَى بِرِدَاءٍ دُونَ جِسْمٍ، وَلاَ بِفَرَسٍ دُونَ مِضْمَارٍ.
فَتَعَالَ نُسَمِّ الأَشْيَاءَ كَمَا هِيَ، وَنَضَعِ الكَلِمَةَ فِي مَوْضِعِهَا، وَنَرْفَعِ الإِنْسَانَ إِلَى قَدْرِهِ؛ فَمَا يَبْقَى عَلَى جِدَارِ الزَّمَنِ لَيْسَ مَا نَقُولُهُ عِنْدَ البِدَايَاتِ، بَلْ مَا نَكُونُهُ عِنْدَ النِّهَايَاتِ. وَمَعَ تَقَدُّمِ الصَّفَحَاتِ، سَتَكْتَشِفُ أَنَّ هٰذَا الكِتَابَ لاَ يُخَاطِبُ نَظَرَكَ فَحَسْبُ، بَلْ يُخَاطِبُ بَصِيرَتَكَ، وَلاَ يَقِفُ عِنْدَ ظَاهِرِ الفِكْرِ، بَلْ يَنْفُذُ إِلَى جَوْهَرِهِ؛ فَهُوَ كِتَابٌ يَسْعَى إِلَى تَحْرِيرِ المَعْنَى مِنْ قَيْدِ السُّرْعَةِ، وَإِلَى إِنْقَاذِ القِيمَةِ مِنْ زِحَامِ الصُّوَرِ، وَإِلَى إِعَادَةِ الاِتِّزَانِ إِلَى مِيزَانٍ مَالَتْ رَجْحَتُهُ بَيْنَ الْمَظْهَرِ وَالْجَوْهَرِ.
فَلَيْسَ كُلُّ بَارِزٍ عَظِيمًا، وَلاَ كُلُّ صَامِتٍ ضَعِيفًا، وَلاَ كُلُّ لاَمِعٍ نَافِعًا؛ بَلْ كَثِيرًا مَا يَخْفَى الرُّسُوخُ فِي الهُدُوءِ، وَيَتَجَلَّى الثِّقَلُ فِي السُّكُونِ، وَيَنْطِقُ الصِّدْقُ حِينَ يَصْمُتُ الادِّعَاءُ. وَإِنَّنِي فِي هٰذَا المَسِيرِ لاَ أُرَاهِنُ عَلَى إِعْجَابٍ عَاجِلٍ، بَلْ عَلَى تَأَثُّرٍ آجِلٍ، وَلاَ أُرِيدُ صَدًى يَرْتَفِعُ ثُمَّ يَخْمُدُ، بَلْ أَثَرًا يَرْسُخُ ثُمَّ يَمْتَدُّ؛ فَالكَلِمَةُ عِنْدِي إِذَا لَمْ تُقِمْ مِيزَانًا فِي النَّفْسِ فَهِيَ زَائِدَةٌ، وَإِذَا لَمْ تُنِرْ بَصِيرَةً فِي العَقْلِ فَهِيَ عَابِرَةٌ، وَإِذَا لَمْ تُصْلِحْ خَلَلاً فِي الرُّؤْيَةِ فَهِيَ زِينَةٌ بِلا قِيمَةٍ. لِذٰلِكَ يَتَقَدَّمُ هٰذَا الكِتَابُ بِخُطًى هَادِئَةٍ وَلَكِنَّهَا ثَابِتَةٌ، وَبِعِبَارَاتٍ جَزْلَةٍ وَلَكِنَّهَا مُنْضَبِطَةٌ، وَبِبَيَانٍ يَجْمَعُ بَيْنَ الجَمَالِ وَالجِدِّ، وَبَيْنَ الرِّقَّةِ وَالرَّصَانَةِ، حَتَّى يَتَشَكَّلَ كِتَابٌ لاَ يَتَكَلَّفُ العُمْقَ بَلْ يَتَنَفَّسُهُ، وَلاَ يَتَصَنَّعُ الجَلاَلَ بَلْ يَسْكُنُهُ. وَعِنْدَ هٰذِهِ النُّقْطَةِ تَغْدُو القِرَاءَةُ مُوَاجَهَةً بَيْنَ القَارِئِ وَنَفْسِهِ، وَبَيْنَ الفِكْرِ وَمِيزَانِهِ؛ فَتَنْقَلِبُ الصَّفَحَاتُ مَرَايَا، وَتَصِيرُ العِبَارَاتُ مَقَايِيسَ تَكْشِفُ صِدْقَ الاتِّسَاقِ بَيْنَ مَا يُقَالُ وَمَا يُكُونُ. وَلَيْسَ المَقْصُودُ أَنْ يَزْدَادَ القَارِئُ مَعْلُومَةً، بَلْ أَنْ يَزْدَادَ بَصِيرَةً، وَلاَ أَنْ يَحْفَظَ جُمَلاً، بَلْ أَنْ يُقِيمَ مِيزَانًا. فَإِذَا اسْتَقَرَّ هٰذَا الفَهْمُ، صَارَ الكِتَابُ أَثَرًا فِكْرِيًّا رَاسِخًا، وَمِعْيَارًا دَاخِلِيًّا، وَشُعْلَةَ وَعْيٍ تَبْقَى مُتَّقِدَةً بَعْدَ أَنْ تَخْفُتَ الأَلْفَاظُ وَتَسْكُنَ الأَصْدَاءُ.


