
نَحْنُ أَصْلُ الْحِكَايَةِ
الْأَرْضُ تُجِيبُ أَهْلَهَا بِقَدْرِ مَا يُقَدِّمُونَ
كِتَابُ «نَحْنُ أَصْلُ الْحِكَايَةِ» لِلدُّكْتُورِ يُوسُفَ أَحْمَدَ الْمِيعَارِيِّ، صَدَرَ عَنِ الْمَكْتَبَةِ الْعَصْرِيَّةِ فِي صَيْدَا، لُبْنَانَ.
نَبْضٌ بَيْنَ دَفَّتَيْنِ
لَيْسَ مَا يَحْمِلُهُ هٰذَا الْكِتَابُ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ تُسَطَّرُ عَلَى صُفُوفٍ مِنْ وَرَقٍ، بَلْ هُوَ نَبْضُ أُمَّةٍ أَبَتْ أَنْ تُدْفَنَ فِي الرَّمَادِ، وَصَوْتُ شَعْبٍ كَتَبَ تَارِيخَهُ بِالدَّمِ وَالْكِبْرِيَاءِ. إِنَّهُ نَفَسُ الْأَرْضِ إِذَا تَكَلَّمَتْ، وَصَدَى الْقُدْسِ إِذَا صَاحَ فِي صُدُورِ أَحْفَادِهَا، وَحِينَ تَسْكُتُ الْجِرَاحُ يَبْقَى هُوَ الْمُنَادِي الَّذِي لَا يَخْفُتُ.
هُنَا، تَنْطِقُ الْأَحْجَارُ، وَيَنْهَضُ الْجَرِيحُ مِنْ جُرْحِهِ لِيَكْتُبَ بِنَفْسِهِ، وَيَرْسُمَ مِنْ دَمِهِ مِيثَاقًا لَا يَتَشَظَّى. هُنَا، يَتَحَوَّلُ الْكِتَابُ إِلَى صَرْخَةِ أُمٍّ عَلَى أَطْلَالِ بَيْتِهَا، وَإِلَى أُنْشُودَةِ طِفْلٍ اغْتُصِبَتْ ضَحِكَتُهُ، وَإِلَى وَعْدِ شَابٍّ لَمْ يُغْلَبْ وَإِنْ غَابَ عَنْ سَاحَةِ النِّدَاءِ. فِي مَعَانِيهِ تَتَجَلَّى الْعِزَّةُ، وَفِي أَلْفَاظِهِ يَرْتَفِعُ الْوَعْيُ، وَفِي صَفَحَاتِهِ يَكْمُنُ الصُّمُودُ الَّذِي لَا يَتَزَعْزَعُ.
هٰذَا الْكِتَابُ هُوَ انْتِفَاضَةُ حَرْفٍ وَوَعْيُ قَضِيَّةٍ، وَقَسَمٌ يَتَجَدَّدُ فِي كُلِّ صَدْرٍ، بِأَنَّ الْكَلِمَةَ الَّتِي وُلِدَتْ مِنَ الْوَجَعِ لَنْ تُطْمَسَ بِسَيْفٍ، وَلَا تُشْتَرَى بِمَوَائِدِ السِّيَاسَةِ، وَلَا تُبَاعُ فِي أَسْوَاقِ الْخُضُوعِ. إِنَّهُ خَيْمَةُ الْمَعْنَى فِي صَحْرَاءِ التَّزْيِيفِ، وَحِصْنُ الْقَضِيَّةِ فِي زَمَنِ الْمُزَايَدَاتِ، وَصَوْتُ الْفَلَّاحِ الَّذِي زَرَعَ بِيَدٍ وَحَمَلَ الْبُنْدُقِيَّةَ بِالْأُخْرَى، وَصَرْخَةُ الْمُرَابِطِ الَّذِي لَمْ يَغْفُ جَبِينُهُ عَنِ السُّجُودِ.
اقْرَأِ النَّصَّ كَامِلًا
فَلَا تَسْتَخِفَّ بِسُطُورِهِ، فَفِيهَا وُجُوهٌ غَائِبَةٌ وَأَسْمَاءٌ طُمِسَتْ وَلٰكِنَّهَا مَاثِلَةٌ فِي كُلِّ نَبْضٍ وَفِي كُلِّ صَدًى. وَلَوْ غَفَلَتْ عَنَّا الْعُيُونُ، وَبَاتَتِ الْقَضَايَا تُتَاجَرُ فِي مَوَائِدِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، فَإِنَّ هٰذَا الْكِتَابَ يَبْقَى حُجَّةً لَا تَبْلَى، وَصَوْتًا لَا يُسْكِتُهُ إِلَّا الْفَنَاءُ.
فَافْتَحْ هٰذَا الْكِتَابَ، وَانْظُرْ فِي مَا بَيْنَ سُطُورِهِ، سَتَرَى أَنَّنَا لَمْ نَرْضَ صَمْتًا وَلَمْ نَتَزَحْزَحْ عَنْ حَقٍّ، وَلَمْ نَسْتَبْدِلِ الْجُرْحَ بِوَصْلٍ يُفْقِدُ الْوَطَنَ مَعْنَاهُ. بَلْ بَقِينَا نَحْرُسُ الْكَلِمَةَ وَنَصُونُ الْوَعْيَ وَنَزْرَعُ التَّارِيخَ بِأَقْلَامٍ لَا تَرْتَعِدُ. فَهٰذَا الْكِتَابُ لَيْسَ خَاتِمَةَ الْقِصَّةِ وَلَا رِوَايَةً تُطْوَى، بَلْ هُوَ الْمِشْعَلُ الَّذِي يَنْقُلُ الضَّوْءَ إِلَى الْقَادِمِينَ وَيَصْنَعُ لِكُلِّ جِيلٍ سَطْرًا يَحْمِلُ نَجَاتَهُ وَيَرْفَعُ شَرَفَهُ.
فَإِنْ سَأَلُوا يَوْمًا: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَلْيُجِبْ هٰذَا الْكِتَابُ عَنَّا، وَلْتَكُنْ كُلُّ سُطُورِهِ أَصْوَاتًا تُجَاهِرُ بِأَنَّنَا لَمْ نَكُنْ هَامِشًا فِي مَشَاهِدِ التَّارِيخِ، وَلَا ظِلًّا فِي قَصَصِ الْأُمَمِ، بَلْ كُنَّا النَّبْضَ وَالْجِرَاحَ وَالْقَسَمَ وَالْكَلِمَةَ الَّتِي أَبَتْ أَنْ تَسْقُطَ فِي مَعَارِكِ الصَّمْتِ.
هٰذَا الْكِتَابُ لَا يُزَيِّنُ وَرَقًا بِأَحْلَامٍ مُعَلَّقَةٍ، وَلَا يَصْنَعُ زَخَارِفَ بِلَا جَوْهَرٍ، بَلْ يَكْشِفُ لِكُلِّ قَارِئٍ وَعْيَ أُمَّةٍ خَاضَتْ أَكْثَرَ مِمَّا يُرْوَى وَاحْتَمَلَتْ مَا لَا يُكْتَبُ، وَرَفَضَتْ أَنْ تَبِيعَ صَوْتَهَا فِي أَسْوَاقِ الْخُضُوعِ.
فَإِذَا مَرَّ الزَّمَانُ عَلَى صَفَحَاتِهِ وَحَاوَلَتْ رِيَاحُ الْإِنْكَارِ أَنْ تَمْحُوَ حُرُوفَهُ، فَسَتَبْقَى كَأَنَّهَا نُقِشَتْ عَلَى جَبَلٍ، لَا تَهْزِمُهَا أَعَاصِيرُ التَّزْوِيرِ وَلَا تُسْقِطُهَا مُؤَامَرَاتُ الْمَسْحِ وَالْإِخْفَاءِ. هُنَا، يَكْتُبُ الْوَطَنُ بِنَفْسِهِ، وَهُنَا نُثْبِتُ أَنَّنَا أَقْوَى مِنَ الْمَحْوِ وَأَعْمَقُ مِنَ النِّسْيَانِ، وَأَنَّ صَوْتَنَا، مَهْمَا ضَاقَتْ عَلَيْهِ الْمَسَامِعُ، سَيَبْقَى نُورًا فِي سَمَاءِ الْحَقِّ لَا تَغِيبُ أَشِعَّتُهُ.
نَحْنُ الْجِبَالُ وَفِينَا يَرْسُخُ الْوَطَنُوَبِنَا عَلَى مَرِّ التَّوَارِيخِ الْعُيُونُ
لَا يَسْقُطُ الْحَقُّ مَا دَامَتْ بِنَا هِمَمٌوَإِنْ تَعَاقَبَ فِي لَيَالِينَا الْجُنُونُ
نَمْضِي عَلَى الدَّرْبِ، لَا نَخْشَى عَوَاصِفَهُفَالرِّيحُ تَرْكَعُ إِنْ تَعَالَتْ فِينَا الْغُصُونُ
هٰذَا كِتَابُنَا، صَوْتٌ يُنَادِينَافِيهِ الْحَقَائِقُ وَالتَّوَارِيخُ تَبِينُ
مِفْتَاحُ الْحِكَايَةِ
وَإِذْ نَفْتَحُ الْغِلَافَ عَلَى هٰذِهِ الْأَوْرَاقِ لَا نُعْلِنُ هُنَا ابْتِدَاءً فَقَطْ، بَلْ نَتَّخِذُ مِفْتَاحًا لِمَدًى أَوْسَعَ، وَنُقِيمُ لِلرِّوَايَةِ قِبْلَتَهَا الَّتِي تَهْدِي خُطَانَا إِلَى مَعَانٍ أَعْمَقَ مِنْ تَرْقِيمٍ وَعُنْوَانٍ. فَالْحِكَايَةُ فِي جَوْهَرِهَا أَكْبَرُ مِنْ قَوْسَيْنِ يُفْتَحَانِ وَيُغْلَقَانِ، وَأَعْظَمُ مِنْ وَرَقٍ يُطْوَى ثُمَّ يُرْفَعُ إِلَى رَفٍّ بَعِيدٍ؛ إِنَّهَا سَيْرٌ مُتَّصِلٌ يَصْنَعُهُ صِدْقُ الشَّهَادَةِ وَفِطْنَةُ التَّمْحِيصِ وَنَقَاءُ الْقَصْدِ. هُنَا نَكْتُبُ كَمَا يَكْتُبُ الْمُرَابِطُ وَصِيَّتَهُ عَلَى صَفِيحَةِ سَيْفٍ، وَنَضَعُ الْحَرْفَ فِي مَوَاضِعِهِ كَأَحْجَارِ بُنْيَانٍ مَصِيرُهُ أَنْ يَبْقَى، لَا لِزِينَةٍ تَبْهَرُ الْعُيُونَ ثُمَّ تَخْفُتُ، بَلْ لِحَقِيقَةٍ تُخَاطِبُ الْقُلُوبَ وَتَلْزَمُ الذَّاكِرَةَ كَلُزُومِ صَدَى الْأَذَانِ لِفَجْرٍ يَتَجَدَّدُ. وَهٰذِهِ الْحُرُوفُ مَفَاتِيحُ أَبْوَابٍ لَمْ تُفْتَحْ بَعْدُ، وَشُعْلَةُ دَرْبٍ طَوِيلٍ تُضِيءُ مَا سَيَأْتِي مِنْ طُرُقٍ وَمَسَافَاتٍ.
نَمْضِي فِي هٰذَا السِّفْرِ عَلَى مِحْوَرٍ مِنَ التَّحْقِيقِ الدَّقِيقِ وَالتَّدْقِيقِ الرَّصِينِ؛ فَالْحَرْفُ إِذَا زَلَّ أَضَلَّ، وَالْكَلِمَةُ إِذَا ارْتَبَكَتْ أَظْلَمَتْ، وَالتَّشْكِيلُ إِذَا اخْتَلَّ حَرَّفَ الْمَعْنَى عَنْ قِبْلَتِهِ. لِذٰلِكَ جَعَلْنَا هٰذَا الْكِتَابَ مِيزَانًا تُوزَنُ فِيهِ الْأَلْفَاظُ كَمَا يُوزَنُ التِّبْرُ فِي الْمِكْيَالِ الدَّقِيقِ، فَلَا يَزِيدُهُ الصَّقْلُ إِلَّا صَفَاءً، وَلَا تُنْقِصُهُ الْمُرَاجَعَةُ إِلَّا شَوَائِبَ. نُثَبِّتُ كُلَّ دَلَالَةٍ فِي مَحَلِّهَا، وَنَرْفَعُ لِكُلِّ مَعْنًى سِدَّتَهُ، حَتَّى يَجِيءَ الْكَلَامُ مُحْكَمًا كَسُورٍ يَحْرُسُ الْمَدِينَةَ، وَرَاسِخًا كَطَوْدٍ يَكْبَحُ عَوَاصِفَ الرِّيَاحِ. وَنَزِنُ أَلْفَاظَنَا لِتَنْطَبِقَ عَلَى مَقَاصِدِنَا، فَلَا يُغْوِي بَرِيقُ مَجَازٍ عَنْ صِدْقِ خَبَرٍ، وَلَا تُغَطِّي زِينَةُ بَيَانٍ عَلَى عَدْلِ بُرْهَانٍ.
وَالْغَايَةُ لَيْسَتْ صِيَاغَةَ لَفْظٍ فَحَسْبُ، بَلْ إِقَامَةُ قِبْلَةٍ لِلْحَقِيقَةِ، وَمِيزَانٍ لِلْمَعَانِي، وَنَبْضٍ لِلْقَلْبِ لَا يَنْقَطِعُ. فَإِذَا فَقَدَتِ الْحَقِيقَةُ وِجْهَتَهَا تَاهَتْ، وَإِذَا فَقَدَتِ الْكَلِمَةُ صِدْقَهَا مَاتَتْ، وَإِذَا أَضَاعَتِ الْأُمَّةُ ذَاكِرَتَهَا صَارَتْ كَسَفِينَةٍ تَتَخَبَّطُ فِي بَحْرٍ مُظْلِمٍ. نَكْتُبُ لِنُثْبِتَ أَنَّ الرِّوَايَةَ لَا تَنْطَفِئُ، بَلْ تُولَدُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فِي كُلِّ صَدْرٍ حُرٍّ، وَكُلِّ عَيْنٍ تَأْبَى الذُّلَّ. وَنَكْتُبُ لِنُحْيِيَ مِيثَاقًا تَتَنَاقَلُهُ الْأَجْيَالُ، وَنُرَسِّخَ قِيَمًا لَا تَنْقُضُهَا سِنُونٌ، وَلَا تَحُولُ دُونَهَا رِيَاحٌ. فَالْكِتَابُ فِي جَوْهَرِهِ عَهْدٌ يُقْرَأُ بِالْقُلُوبِ قَبْلَ الْعُيُونِ، وَمِفْتَاحُ بَابٍ يَفْتَحُهُ الْأَبْنَاءُ كُلَّمَا أَطْبَقَتِ الظُّلْمَةُ أَجْفَانَهَا.
وَمَا بَيْنَ بِدَايَةٍ وَخَاتِمَةٍ تَجْرِي الْأَحْدَاثُ كَنَهْرٍ يَشُقُّ صَخْرَ الْوَاقِعِ فَيَسْقِي أَشْجَارَ الذَّاكِرَةِ، وَيَغْرِسُ فِي تُرْبَتِهَا زَيْتُونًا يُثَبِّتُ الْحِكْمَةَ وَالصُّمُودَ. وَكُلُّ سَطْرٍ هُنَا نَفَسٌ مِنْ أَنْفَاسِ أُمَّةٍ، وَكُلُّ عِبَارَةٍ جُزْءٌ مِنْ مِيثَاقٍ طَوِيلٍ لَا تَعْصِفُ بِهِ رِيَاحُ الزَّوَالِ.
لَسْنَا نُقَدِّمُ سُطُورًا لِتُطْوَى، بَلْ نَضَعُ أَسَاسًا لِيَبْقَى، وَنُشَيِّدُ بُنْيَانًا يَرْتَفِعُ كُلَّمَا نَهَضَ جِيلٌ يَحْمِلُ الرَّايَةَ وَيُتِمُّ الْمَسِيرَةَ. فَإِذَا سُئِلَ الْكِتَابُ عَنِ اسْمِهِ قَالَ: رُوحِي اسْمِي، وَإِذَا سُئِلَ عَنْ زَمَانِهِ قَالَ: كُلُّ حِينٍ، وَإِذَا سُئِلَ عَنْ مَكَانِهِ قَالَ: صُدُورُكُمْ مَسَاكِنِي.
وَإِنَّنَا نُقَدِّمُ هٰذِهِ الْمُقَدِّمَةَ عَلَى نَغَمٍ مِنَ الْبَيَانِ، يُوَافِقُهُ جَرْسٌ يَلْتَقِي الْأُذُنَ كَمَا تَلْتَقِي الْقَطْرَةُ حَجَرَ السَّيْلِ، فَلَا تُثِيرُ غُبَارًا وَلَا تُخَلِّفُ ضَجِيجًا، وَلٰكِنَّهَا تَحْفِرُ مَجْرًى يَبْقَى. نُرَتِّبُ الْجُمَلَ كَأَوْتَارِ عُودٍ تُشَدُّ بِقَدْرِ مَا يَلْزَمُ لِلنَّغَمِ، فَلَا يَخْتَلُّ إِيقَاعٌ وَلَا تَزُولُ نَغْمَةٌ عَنْ قَصْدِهَا. وَنَصُوغُ الصُّوَرَ كَلَوْحَاتٍ تَتَزَاحَفُ أَلْوَانُهَا فِي هُدُوءٍ، فَإِذَا انْتَهَى الْبَصَرُ إِلَى آخِرِهَا عَادَتِ الْعَيْنُ تَلْتَمِسُ فِيهَا مَا فَاتَهَا. وَذٰلِكَ عَهْدُنَا لِهٰذَا الْقَارِئِ الْكَرِيمِ: أَلَّا نَدَعَ الْكَلِمَةَ حَائِرَةً، وَلَا الْمَعْنَى مُبْهَمًا، وَلَا التَّشْكِيلَ مُضْطَرِبًا.
هٰذَا يَا قَارِئَ الْقَلْبِ كِتَابٌ يُفْتَحُ لَا لِيَسْتَكْمِلَ عَدَدًا مِنَ الْأَوْرَاقِ، بَلْ لِيُتِمَّ نَقْصًا فِي الْبَصِيرَةِ، وَيَرْفَعَ قَدْرًا فِي الْمَعْرِفَةِ. فَإِنْ رَأَيْتَ فِيهِ مَا يَشُدُّ عَلَى يَدِكَ فَذٰلِكَ رَأْسُ الْغَايَةِ، وَإِنْ رَأَيْتَ فِيهِ مَا يُخَالِفُ هَوًى، فَفِي خِلَافِ الْهَوَى حَيَاةُ الْحَقِّ. وَنَسْأَلُ اللّٰهَ وَهُوَ الْمُسَدِّدُ الْمُعِينُ أَنْ يَجْعَلَ هٰذِهِ الْمُقَدِّمَةَ عِقْدَ نُورٍ فِي صَدْرِ الْقِرَاءَةِ، وَأَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهَا أَكْثَرَ بَيَانًا وَأَمْضَى بُرْهَانًا، فَتَجْرِي الرِّوَايَةُ عَلَى سَنَنِ الصِّدْقِ، وَتَرْتَقِي الْكَلِمَةُ إِلَى مَقَامِهَا الَّذِي قُدِّرَ لَهَا أَنْ تَهْدِيَ وَتَشْهَدَ وَتَبْقَى.
وَإِنَّ الْكَلِمَةَ يَا صَاحِ سَهْمٌ مَاضٍ إِذَا انْطَلَقَ مِنْ قَوْسِ الْحَقِّ، وَنَارٌ مُشْتَعِلَةٌ إِذَا أُلْقِيَتْ فِي هُوَّةِ الْبَاطِلِ، فَلَا يُطْفِئُهَا إِلَّا بَحْرُ الْإِيمَانِ، وَلَا يَحْجُبُ ضِيَاءَهَا إِلَّا سَحَابُ الْغَفْلَةِ. هِيَ شَاهِدَةٌ مَكْتُوبَةٌ فِي صُحُفِ التَّارِيخِ، وَصَدًى مُتَرَدِّدٌ فِي أَسْمَاعِ الْأَجْيَالِ، وَرَايَةٌ مَرْفُوعَةٌ عَلَى رُؤُوسِ الْمَيَادِينِ. إِنَّمَا الْكَلِمَةُ أَمَانَةٌ تُؤَدَّى، وَرَايَةٌ تُحْمَلُ، وَعَهْدٌ يُقَامُ عَلَيْهِ الْبُنْيَانُ؛ فَمَنْ حَمَلَهَا عَلَى غَيْرِ صِدْقٍ فَقَدْ خَانَ، وَمَنْ أَلْقَاهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا فَقَدْ أَضَلَّ، وَمَنْ جَعَلَهَا سُلَّمًا لِبَاطِلٍ فَقَدْ هَدَمَ، وَمَنْ رَفَعَهَا عَلَى سَنَدِ الْحَقِّ فَقَدْ بَنَى وَأَعْلَى وَأَحْيَا.
وَإِذَا كَانَتِ الْأُمَمُ تُقَاسُ بِقُوَّةِ سُيُوفِهَا وَعَدَدِ جُنُودِهَا، فَإِنَّ هٰذِهِ الْأُمَّةَ تُقَاسُ بِقُوَّةِ كَلِمَتِهَا وَمِقْدَارِ مَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ مِنْ حَقٍّ لَا يَبْلَى. أَلَا تَرَى أَنَّ الْكَلِمَةَ فِي مَجْرَاهَا كَالنَّهْرِ فِي انْسِيَابِهِ؟ إِنْ كَانَ عَذْبًا أَحْيَا، وَإِنْ كَانَ مِلْحًا أَمَاتَ.
وَكَذٰلِكَ الْحُرُوفُ: إِنْ صَفَتْ أَنْقَذَتْ، وَإِنْ كَدِرَتْ أَهْلَكَتْ. هُنَا، فِي هٰذِهِ الصَّفَحَاتِ، نَجْعَلُ الْكَلِمَةَ عَلَى مِيزَانٍ كَمَا يُوضَعُ الذَّهَبُ عَلَى الْمِكْيَالِ؛ فَلَا يَقُومُ لِسَانٌ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ، وَلَا يَرْتَفِعُ قَلَمٌ عَلَى غَيْرِ دَلِيلٍ. فَإِنْ كَانَ الْبَيَانُ مِفْتَاحًا، فَالْمَعْرِفَةُ هِيَ الْبَابُ، وَإِنْ كَانَتِ الْحُرُوفُ جُنُودًا، فَالْحَقُّ هُوَ الْقَائِدُ الَّذِي يَسُوقُهَا، وَإِنْ كَانَتِ الْكَلِمَةُ رَايَةً، فَالْعَدْلُ هُوَ السَّارِيَةُ الَّتِي تَثْبُتُ عَلَيْهَا. وَإِنَّمَا الْحَقُّ يُقَاسُ بِقُوَّةِ صَوْتِهِ، فَإِذَا كَانَ صَادِقًا بَقِيَ، وَإِذَا كَانَ زَائِفًا فَنِيَ، وَهٰذَا هُوَ مِيزَانُ الْأُمَمِ وَسَبِيلُ بَقَائِهَا.
إِنَّنَا نَكْتُبُ لَا لِنُرْضِيَ شَهْوَةَ قَارِئٍ عَابِرٍ، وَلَا لِنُزَيِّنَ جُدْرَانًا بِكَلِمَاتٍ مُزَخْرَفَةٍ، بَلْ لِنَضَعَ فِي كُلِّ صَدْرٍ مِفْتَاحًا يُفْتَحُ بِهِ بَابُ الْحَقِّ، وَلِنُشْعِلَ فِي كُلِّ قَلْبٍ مِصْبَاحًا يُنِيرُ طَرِيقَ الْعَدْلِ. وَمَا الْحَرْفُ إِلَّا جُنْدٌ مِنْ جُنُودِ الْإِيمَانِ، وَمَا الْكَلِمَةُ إِلَّا سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ الْحَقِّ؛ فَمَنْ صَاغَهَا بِالْحِكْمَةِ نَصَرَ، وَمَنْ أَضَاعَهَا بِالْغَفْلَةِ خَسِرَ. وَسَنَبْقَى مَا دَامَ فِي الصُّدُورِ نَفَسٌ نَحْمِلُ الْكَلِمَةَ كَمَا يُحْمَلُ السِّهَامُ فِي الْمَعَارِكِ، لَا نَرْمِي بِهَا عَبَثًا، وَلَا نُطْلِقُهَا غَيْرَ مَسْؤُولَةٍ، بَلْ نَجْعَلُهَا فِي سَبِيلٍ يُثْبِتُ الْحَقَّ وَيُبْطِلُ الْبَاطِلَ. وَإِنَّمَا هُوَ مِيثَاقٌ يُمْضِيهِ الْقَلَمُ، وَيَشْهَدُ عَلَيْهِ الزَّمَانُ، وَتُقِرُّهُ صُدُورُ الْأَجْيَالِ، فَيَكُونُ مِرْآةً لِلتَّارِيخِ، وَشَاهِدًا عَلَى الْأَمْسِ وَالْيَوْمِ وَمَا يَجِيءُ مِنْ غَدٍ.
إِنَّ هٰذَا الْكِتَابَ لَيْسَ رَقْمًا فِي سِجِلٍّ، وَلَا صَفْحَةً فِي دَفْتَرٍ، بَلْ هُوَ نَفَسٌ يَتَفَسَّحُ فِي صُدُورِ الْأُمَمِ، وَرُوحٌ تَتَجَدَّدُ فِي أَزْمِنَةٍ تَسْعَى إِلَى النُّورِ. هُوَ صَرِيخُ حَقٍّ إِذَا اسْتَبَدَّ الْبَاطِلُ، وَمِيزَانُ عَدْلٍ إِذَا انْقَلَبَتِ الْمَوَازِينُ، وَنَشِيدُ أَرْوَاحٍ إِذَا خَرِسَتِ الْأَلْسُنُ. إِنَّهُ مَجْرًى لِلصَّوْتِ الَّذِي لَا يَفْنَى، وَمَنْهَلٌ لِلْحَقِيقَةِ الَّتِي لَا تَذْبُلُ، وَبُرْهَانٌ عَلَى أَنَّ الْحَرْفَ إِذَا صَدَقَ يُمْسِي أَبْقَى مِنَ الصَّخْرِ، وَأَرْفَعَ مِنَ الْقِمَمِ، وَأَرْسَخَ مِنْ أَثَرٍ فِي تُرَابٍ يَحْفَظُ الذَّاكِرَةَ.
هُوَ لَوْحَةٌ مَفْتُوحَةٌ عَلَى وَجْهِ الزَّمَانِ، تُزَاحِمُهَا الْأَلْوَانُ وَتُعَانِقُهَا الْخُطُوطُ، فَإِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهَا رَأَيْتَ أَنَّ كُلَّ سَطْرٍ فِيهَا نَجْمٌ يُضِيءُ، وَكُلَّ كَلِمَةٍ فِيهَا بَذْرَةٌ تُنْبِتُ، وَكُلَّ مَعْنًى فِيهَا جَبَلٌ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فِي وَجْهِ الرِّيَاحِ. هُوَ دَفْتَرُ صَرَخَاتٍ وَرُؤًى، وَبُسْتَانُ ذَاكِرَةٍ تُزْهِرُ فِي كُلِّ فَصْلٍ، وَسَحَابَةُ بَرَكَةٍ تُمْطِرُ عَلَى أَرْضٍ لَا تَجِفُّ. وَإِنَّمَا يُرِيدُ هٰذَا السِّفْرُ أَنْ يَكُونَ صَوْتًا لِلْمُعَذَّبِينَ، وَحَرْفًا لِلصَّامِتِينَ، وَبَيَانًا يَكْشِفُ مَا حَاوَلَ التَّارِيخُ أَنْ يَطْمِسَهُ، وَنُورًا يَتَفَتَّحُ فِي كُلِّ صَدْرٍ يَرُومُ الْحَقَّ.
فَإِذَا سُئِلْنَا: مَا رِسَالَةُ هٰذَا الْكِتَابِ؟ قُلْنَا: هُوَ سَيْلٌ يَجْرِي فِي شُقُوقِ الزَّمَانِ، وَيَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ أَصْوَاتًا مَطْمُوسَةً، وَدُمُوعًا ذَرَفَتْهَا الْعُيُونُ وَلَمْ يَكْتُبْهَا التَّارِيخُ. وَإِذَا سُئِلْنَا: مَا غَايَتُهُ؟ قُلْنَا: أَنْ يُشَكِّلَ فِي كُلِّ قَارِئٍ مِرْآةً يَرَى فِيهَا نَفْسَهُ وَقَضِيَّتَهُ وَمَصِيرَهُ. هُوَ كَالسِّرَاجِ الَّذِي يَتَّقِدُ فِي الظُّلْمَةِ، وَكَالسَّيْفِ الَّذِي يُشْهَرُ فِي وَجْهِ الْخَوْفِ، وَكَالزَّهْرَةِ الَّتِي تُقَاوِمُ فِي صَخْرٍ جَامِدٍ فَتَنْبُتُ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ حَجَرٍ وَكُلِّ مَطَرٍ وَكُلِّ رِيحٍ.
وَإِنَّهُ يَا قَارِئَ الْقَلْبِ نَبْضُ أُمَّةٍ لَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ صَدًى بَاهِتًا فِي تَارِيخٍ مُزَيَّفٍ، بَلْ تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ صَوْتًا أَصِيلًا فِي كِتَابِ الْبَقَاءِ. هُوَ خَطٌّ فِي الصَّدْرِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ خَطًّا عَلَى الْوَرَقِ، وَعَهْدٌ فِي الرُّوحِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ قَسَمًا فِي الْمَحَافِلِ. هُوَ شَجَرَةٌ جُذُورُهَا فِي تُرَابِ الْحَقِّ وَأَغْصَانُهَا فِي سَمَاءِ الْحُرِّيَّةِ، وَثَمَرُهَا يَسْقُطُ فِي أَكُفِّ الْأَجْيَالِ، لِيَكُونَ قُوتًا لِلذَّاكِرَةِ وَزَادًا لِلطَّرِيقِ. هُنَا يَصْعَدُ الْكَلَامُ مِنْ مَقَامِ الْبَيَانِ إِلَى مَقَامِ الْإِيقَاعِ، فَيَنْطَلِقُ الشِّعْرُ مُكَمِّلًا مَا بَدَأَهُ النَّثْرُ.
فَخُذْهُ يَا صَاحِ كَمَا يُؤْخَذُ السَّيْفُ فِي الْمَعْرَكَةِ: لَا لِلزِّينَةِ، بَلْ لِلدِّفَاعِ، وَلَا لِلْفَخْرِ الْبَاطِلِ، بَلْ لِلْقَطْعِ وَالْفَصْلِ. وَاقْرَأْهُ كَمَا يُقْرَأُ الدَّمُ عَلَى الْأَرْضِ: بِلَا حُرُوفٍ وَلَا صَوْتٍ، وَلٰكِنَّهُ يَصْرُخُ فِي الْأَرْوَاحِ. وَاحْمِلْهُ كَمَا تُحْمَلُ الرَّايَةُ: لَا لِتُخْفَى وَرَاءَ سُتُورٍ، بَلْ لِتُرْفَعَ عَلَى رُؤُوسِ الْجُيُوشِ. فَإِنَّهُ فِي جَوْهَرِهِ دَعْوَةٌ إِلَى الْحَيَاةِ، وَإِعْلَانٌ أَنَّ الْأُمَّةَ تَبْقَى مَا دَامَ فِيهَا صَوْتٌ يُجْهَرُ بِالْحَقِّ.
نَحْنُ الَّذِينَ إِذَا دَعَا الْحَقُّ انْبَرَىصَوْتُ الْحَقِيقَةِ فِي الصُّدُورِ مُجَلْجِلَا
نَحْنُ الْجِبَالُ إِذَا الْعَوَاصِفُ أَقْبَلَتْثَبَتَتْ خُطَانَا ثُمَّ أَقَمْنَا مَنْزِلَا
لَا نَرْكَنُ الْيَوْمَ إِلَّا لِلْهُدَىحَتَّى نُزِيلَ عَنِ الطَّرِيقِ خَطَلَا
نَرْفَعْ لِوَاءَ الصِّدْقِ فَوْقَ رُؤُوسِنَاحَتَّى يَكُفَّ اللَّيْلُ يَأْسًا مُثْقَلَا
وَنَكُونُ نُورًا إِذْ تَكَاثَفَ ظُلْمُهُفَيَسِيلُ فَوْقَ الْأَرْضِ بِرًّا مُقْبِلَا
هٰذَا كِتَابٌ لَا يُطَاوِعُ بَاطِلًابَلْ يُطْلِقُ الْأَلْفَاظَ سَيْفًا صَقِيلَا
هٰذَا كِتَابٌ لَا يُقَايِضُ حَقَّهُبَلْ يُعْلِنُ الْوَعْدَ الْقَدِيمَ جَلِيلَا
فَالْحَقُّ فِينَا لَا يَكُونُ مُدَاهَنًابَلْ لَنْ يَزُولَ وَلَنْ يَكُونَ زَائِلَا
نَبْنِي لِصَوْتِ الْحَقِّ صَرْحًا رَاسِخًاوَنُحِيلُ زَيْفَ الظُّلْمِ شَذْرًا هَامِلَا


