كَلِمَةُ عَهْدٍ وَرَايَةُ قُرْبٍ
كُلُّ الْكُتُبِ

كَلِمَةُ عَهْدٍ وَرَايَةُ قُرْبٍ

النَّاشِرُ
الْمَكْتَبَةُ الْعَصْرِيَّةُ — صَيْدَا، لُبْنَانُ

كِتَابُ «كَلِمَةُ عَهْدٍ وَرَايَةُ قُرْبٍ» لِلدُّكْتُورِ يُوسُفَ أَحْمَدَ الْمِيعَارِيِّ، صَدَرَ عَنِ الْمَكْتَبَةِ الْعَصْرِيَّةِ فِي صَيْدَا، لُبْنَانَ.

نَبْضٌ بَيْنَ دَفَّتَيْنِ

لَيْسَ هٰذَا الْكِتَابُ وَلِيدَ لَحْظَةٍ عَابِرَةٍ، وَلَا أَثَرَ خَاطِرٍ مَرَّ بِالْقَلْبِ ثُمَّ انْصَرَفَ، بَلْ هُوَ خُلَاصَةُ مَا يَبْقَى حِينَ يَذْهَبُ الضَّجِيجُ، وَزُبْدَةُ مَا يَرْسُخُ حِينَ تَتَسَاقَطُ الزَّوَائِدُ، وَصَفْوَةُ مَا يَثْقُلُ فِي النَّفْسِ بَعْدَ أَنْ تَمُرَّ بِهَا الْأَيَّامُ مُرُورَ السَّحَابِ عَلَى الْجِبَالِ: يُلَامِسُهَا وَلَا يَقْتَلِعُهَا، وَيَمُرُّ بِهَا وَلَا يُزَحْزِحُهَا. وَمَا كُتِبَ هٰذَا الْكِتَابُ لِيَكُونَ سَطْرًا يُتْلَى، بَلْ لِيَكُونَ مِيزَانًا يُرْجَعُ إِلَيْهِ، وَلَا لِيَكُونَ صَوْتًا يُسْمَعُ، بَلْ لِيَكُونَ حَقًّا يُعْرَفُ، وَفَيْصَلًا تَنْكَشِفُ عِنْدَهُ الدَّعَاوَى، وَتَتَعَرَّى عَلَيْهِ السَّرَائِرُ. كَتَبْتُهُ وَأَنَا عَلَى يَقِينٍ أَنَّ الْكُتُبَ لَيْسَتْ أَوْرَاقًا تُجْمَعُ، بَلْ مَوَاقِفُ تُبْنَى، وَلَا عِبَارَاتٍ تُنْسَجُ، بَلْ مَوَازِينُ تُقَامُ، وَلَا سُطُورًا تُرَصُّ، بَلْ مَعَانٍ تُخْتَبَرُ، وَتُحْمَلُ، وَتُصَانُ.

فَمَا مِنْ كَلِمَةٍ فِيهِ إِلَّا وَرَاءَهَا نَظَرٌ طَالَ، وَتَجْرِبَةٌ عَلَّمَتْ، وَمِحْنَةٌ هَذَّبَتْ، وَصَمْتٌ تَكَلَّمَ حَتَّى فَاضَ عَلَى اللِّسَانِ بَيَانًا. وَلَقَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ عَلَى أَلْوَانٍ شَتَّى، وَسَمِعْتُ مِنَ الْوُعُودِ مَا يَمْلَأُ الْمَجَالِسَ وَلَا يَمْلَأُ الْمَوَاقِفَ، وَشَهِدْتُ مِنَ التَّلَوُّنِ مَا يَكْفِي لِيَعْلَمَ الْمَرْءُ أَنَّ الْحَقَّ لَا يَحْتَاجُ إِلَى زِينَةٍ، وَأَنَّ الزَّيْفَ، مَهْمَا تَأَلَّقَ، يَبْقَى أَعْوَرَ فِي عَيْنِ الْبَصِيرَةِ. فَكَانَ حَتْمًا عَلَيَّ أَنْ أَكْتُبَ، لَا لِأُرْضِيَ سَمْعًا، بَلْ لِأُوقِظَ وَعْيًا، وَلَا لِأُجَمِّلَ مَعْنًى، بَلْ لِأَكْشِفَ وَجْهَهُ كَمَا هُوَ: صَارِمًا إِذَا احْتَاجَ إِلَى الصَّرَامَةِ، رَقِيقًا إِذَا اقْتَضَتِ الْحَالُ الرِّقَّةَ، عَالِيًا لَا يَرْضَى الدُّونَ، وَصَافِيًا لَا يَقْبَلُ الْكَدَرَ. وَمَا هٰذَا الْكِتَابُ فِي جَوْهَرِهِ إِلَّا مَسْعًى لِأَنْ أَرُدَّ لِلْعَهْدِ هَيْبَتَهُ بَعْدَ أَنْ أَضَاعَهُ الْمُتَهَاوِنُونَ، وَلِلْقُرْبِ مَعْنَاهُ بَعْدَ أَنِ ابْتَذَلَهُ الْمُتَكَلِّفُونَ، وَلِلْكَلِمَةِ وَقَارَهَا بَعْدَ أَنْ بَعْثَرَهَا الْمُكْثِرُونَ مِنَ الْقَوْلِ، الْقَلِيلُونَ فِي الْفِعْلِ.

وَإِنِّي مَا أَرَدْتُ بِهٰذَا الْكِتَابِ أَنْ أُحَدِّثَ النَّاسَ عَنِ الْوَفَاءِ مِنْ بَعِيدٍ، بَلْ أَنْ أُدْخِلَهُمْ فِي مِحْرَابِهِ، لِيَرَوْا كَمْ هُوَ جَمِيلٌ وَكَمْ هُوَ ثَقِيلٌ؛ فَلَيْسَ الْوَفَاءُ زَهْرَةً تُشَمُّ ثُمَّ تُنْسَى، بَلْ شَجَرَةٌ تُسْقَى، وَتُرْعَى، وَتُصَانُ، وَتُحْمَى مِنْ رِيحِ الْهَوَى وَعَادِيَةِ الْمَصْلَحَةِ. وَلَيْسَ الْعَهْدُ حَرْفًا يَخْرُجُ مِنَ الشَّفَةِ، بَلْ حَدًّا يَقُومُ فِي النَّفْسِ، فَإِمَّا أَنْ يَرْفَعَهَا وَإِمَّا أَنْ يَفْضَحَهَا؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ قَدْ يَجْمُلُ فِي كَلَامِهِ، ثُمَّ يَهُونُ فِي مَقَامِهِ، وَقَدْ يَرْتَفِعُ صَوْتُهُ بِالْوَعْدِ، ثُمَّ يَسْقُطُ فِي أَوَّلِ الِاخْتِبَارِ. وَمَا أَكْثَرَ مَنْ يَقُولُونَ، وَمَا أَقَلَّ مَنْ يَقُومُونَ بِمَا قَالُوا؛ فَتَرَى الْأَلْفَاظَ عِنْدَهُمْ سُيُولًا، وَلٰكِنَّ الْمَعَانِيَ جُدُوبٌ، وَتَرَى الْوُجُوهَ بَاسِمَةً، وَلٰكِنَّ الضَّمَائِرَ عَابِسَةٌ، وَتَرَى الْوُدَّ ظَاهِرًا، وَلٰكِنَّ الْوِدَادَ غَائِبٌ، وَتَرَى الْقُرْبَ حَاضِرًا فِي اللِّسَانِ، غَائِبًا فِي الْجَنَانِ. وَلِذٰلِكَ لَمْ أَكْتُبْ لِأُجَامِلَ، وَلَمْ أُصَنِّفْ لِأُدَارِيَ، وَلَمْ أَجْعَلْ لِلْعِبَارَةِ سُلْطَانًا عَلَى الْحَقِيقَةِ، بَلْ جَعَلْتُ الْحَقِيقَةَ سُلْطَانًا عَلَى الْعِبَارَةِ؛ فَإِذَا ضَاقَ اللَّفْظُ اتَّسَعَ الْمَعْنَى، وَإِذَا تَزَاحَمَتِ الزِّينَةُ وَالصِّدْقُ، آثَرْتُ الصِّدْقَ وَلَوْ جَاءَ خَشِنَ الْمَسِّ؛ لِأَنَّ الْخُشُونَةَ فِي الْحَقِّ أَشْرَفُ مِنْ نُعُومَةِ الزَّيْفِ، وَالْوُضُوحَ، وَإِنْ آذَى، أَكْرَمُ مِنَ الضَّبَابِ، وَإِنْ أَعْجَبَ. وَمَا كَانَ هَمِّي أَنْ يَخْرُجَ الْقَارِئُ مِنْ هٰذَا الْكِتَابِ مُعْجَبًا فَحَسْبُ، بَلْ أَنْ يَخْرُجَ مُنْتَبِهًا، مُتَفَكِّرًا، مُتَفَقِّدًا نَفْسَهُ: أَيَحْمِلُ مِنَ الْعَهْدِ اسْمَهُ أَمْ يَحْمِلُ حَقَّهُ؟ أَيَرْفَعُ رَايَةَ الْقُرْبِ صِدْقًا أَمْ يَتَّخِذُهَا سِتَارًا؟ أَيُجِيدُ تَسْمِيَةَ الْقِيَمِ أَمْ يُجِيدُ الْقِيَامَ بِهَا؟ فَإِنْ وَقَفَ مَعَ نَفْسِهِ هٰذَا الْوُقُوفَ، فَقَدْ بَلَغَ الْكِتَابُ غَايَتَهُ، وَوَصَلَتِ الْكَلِمَةُ إِلَى مَوْضِعِهَا، وَأَصَابَ الْمَعْنَى مَحَلَّهُ مِنَ الْقَلْبِ وَالْبَصِيرَةِ.

اقْرَأِ النَّصَّ كَامِلًا

وَلَقَدْ آمَنْتُ، وَأَنَا أَخُوضُ فِي بِنَاءِ هٰذَا الْأَثَرِ، أَنَّ الْكِتَابَةَ الْحَقَّةَ لَا تَنْبُتُ فِي تُرْبَةِ الِاسْتِعْجَالِ، وَلَا تُزْهِرُ فِي هَوَاءِ التَّكَلُّفِ، بَلْ تَخْرُجُ مِنِ اخْتِلَاطِ التَّأَمُّلِ بِالْمِحْنَةِ، وَاقْتِرَانِ النَّظَرِ بِالتَّجْرِبَةِ، وَمُصَابَرَةِ الْمَعْنَى حَتَّى يَنْفَصِلَ خَالِصُهُ مِنْ كَدَرِهِ، وَيَبِينَ جَوْهَرُهُ مِنْ شَائِبَتِهِ. فَلَمْ أَكْتُبْ هٰذِهِ الصَّفَحَاتِ مِنْ مَوْقِعِ مُتَفَرِّجٍ، بَلْ مِنْ دَاخِلِ الْمَعْرَكَةِ؛ رَأَيْتُ كَيْفَ تَرْتَفِعُ الْكَلِمَةُ فِي فَمٍ وَتَسْقُطُ فِي يَدٍ، وَكَيْفَ يَلْمَعُ الْوَعْدُ فِي الْمَجْلِسِ ثُمَّ يَخْبُو فِي أَوَّلِ الِاخْتِبَارِ، وَكَيْفَ تَبْقَى نُفُوسٌ شَامِخَةً، لَا لِأَنَّهَا تُكْثِرُ مِنَ الدَّعْوَى، بَلْ لِأَنَّهَا تُقِلُّ مِنْهَا وَتُكْثِرُ مِنَ الْوَفَاءِ، وَلَا لِأَنَّهَا تُحْسِنُ عَرْضَ نَفْسِهَا، بَلْ لِأَنَّهَا تُحْسِنُ حَمْلَ مَعْنَاهَا.

وَمِنْ هُنَا جَاءَ هٰذَا النَّسَقُ فِي التَّعْبِيرِ: لَا يَرْضَى أَنْ يَسِيرَ عَلَى وَجْهِ الْمَعْنَى، بَلْ يَطْلُبُ عُمْقَهُ؛ وَلَا يَقْنَعُ بِأَنْ يَمَسَّ الظَّاهِرَ، بَلْ يَنْفُذُ إِلَى مَا تَحْتَ الظَّاهِرِ حَتَّى يَبْلُغَ الْجِذْرَ. وَلِهٰذَا سَتَجِدُ فِي هٰذَا الْكِتَابِ نَبْرَةً تُشْبِهُ الْمِيزَانَ: لَا تَحِيفُ مَعَ الْهَوَى، وَلَا تَمِيلُ مَعَ الْمَيْلِ؛ وَتُشْبِهُ الْمِرْآةَ: لَا تُزَيِّنُ الْمَلَامِحَ، بَلْ تُظْهِرُهَا كَمَا هِيَ؛ وَتُشْبِهُ النَّارَ: تُدْفِئُ مَنْ يَقْرَبُ مِنْهَا بِصِدْقٍ، وَتُحْرِقُ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهَا بِتَزْوِيرٍ. وَمَا أَرْجُوهُ لِهٰذَا الْكِتَابِ أَلَّا يَكُونَ مُجَرَّدَ أَثَرٍ يُقْرَأُ ثُمَّ يُطْوَى، بَلْ أَنْ يَكُونَ وَعْيًا يُصَاحِبُ، وَسُؤَالًا يُلَاحِقُ، وَضَوْءًا يَبْقَى فِي الذَّاكِرَةِ بَعْدَ أَنْ تَنْطَفِئَ كَثِيرٌ مِنْ أَضْوَاءِ الضَّجِيجِ الْعَابِرِ، وَأَنْ يَكُونَ فِي يَدِ الْقَارِئِ نُورًا يَهْدِيهِ إِلَى نَفْسِهِ، لَا زِينَةً يُعْجِبُهُ بَرِيقُهَا ثُمَّ يَنْسَاهَا. وَإِنِّي، إِذْ أُخْرِجُ هٰذَا الْكِتَابَ إِلَى الْقَارِئِ، لَا أُخْرِجُ إِلَيْهِ نَصًّا فَحَسْبُ، بَلْ أُسَلِّمُهُ أَمَانَةً مِنَ الْمَعْنَى، وَأَضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ مِيزَانًا، وَأَدْعُوهُ، فِي هُدُوءٍ لَا ضَعْفَ فِيهِ، وَفِي صَرَامَةٍ لَا قَسْوَةَ فِيهَا، إِلَى أَنْ يَدْخُلَ مَعِي هٰذَا الْمَقَامَ دُخُولَ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ، لَا دُخُولَ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَمُرَّ. فَإِنَّ «كَلِمَةَ عَهْدٍ وَرَايَةَ قُرْبٍ» لَيْسَتَا عِنْدِي عُنْوَانًا يُوضَعُ عَلَى غِلَافٍ، بَلْ رُؤْيَةً لِلْإِنْسَانِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَكُونَ أَجَلَّ مَقَامًا، وَأَقْوَمَ سِيرَةً، وَأَنْقَى سَرِيرَةً.

إِنَّهُمَا دَعْوَةٌ إِلَى أَنْ تَعُودَ الْكَلِمَةُ ثِقْلًا، وَالْقُرْبُ حُرْمَةً، وَالْوَفَاءُ مِيزَانًا، وَالصِّدْقُ سُلْطَانًا، وَأَلَّا يَبْقَى الْإِنْسَانُ أَسِيرَ مَا يُقَالُ عَنْهُ، بَلْ أَنْ يَكُونَ ابْنَ مَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ. فَإِنْ وَجَدَ الْقَارِئُ فِي هٰذِهِ الصَّفَحَاتِ مَا يُعِينُهُ عَلَى أَنْ يَرَى نَفْسَهُ أَوْضَحَ، وَيَزِنَ مَوَاقِفَهُ أَعْدَلَ، وَيَحْمِلَ عَهْدَهُ أَثْقَلَ، وَيَرْفَعَ رَايَةَ قُرْبِهِ أَصْدَقَ، فَذٰلِكَ مَا كُنْتُ أَبْغِيهِ وَأَقْصِدُ إِلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ لِلْمُؤَلِّفِ رَجَاءٌ أَخِيرٌ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ تَأْلِيفِهِ، فَهِيَ أَنْ يَبْقَى كِتَابُهُ بَعْدَهُ شَاهِدًا، لَا عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى الصِّيَاغَةِ فَحَسْبُ، بَلْ عَلَى إِخْلَاصِهِ لِلْمَعْنَى الَّذِي آمَنَ بِهِ، وَأَرَادَ لَهُ أَنْ يَبْقَى فِي النَّاسِ نُورًا لَا نَارًا، وَهُدًى لَا هَوًى، وَمِيزَانًا لَا مَيْلًا، وَأَثَرًا لَا زَوَالًا، وَصِدْقًا لَا زَيْفًا، وَعَدْلًا لَا ظُلْمًا، وَذِكْرًا لَا نِسْيَانًا.

وَإِذَا كُنْتُ قَدْ جَعَلْتُ لِهٰذَا الْكِتَابِ مِنَ الْعَهْدِ عُنْوَانًا، وَمِنَ الْقُرْبِ رَايَةً، فَلِأَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ الْإِنْسَانَ فِي زَمَنِهِ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى زِيَادَةِ الْكَلَامِ بِقَدْرِ مَا يَفْتَقِرُ إِلَى عَوْدَةِ الْمِيزَانِ؛ فَقَدْ كَثُرَ فِي النَّاسِ مَنْ يُحْسِنُونَ تَسْمِيَةَ الْمَعَانِي وَلَا يُحْسِنُونَ حَمْلَهَا، وَيُجِيدُونَ صَنْعَةَ الْإِظْهَارِ وَلَا يُجِيدُونَ صِنَاعَةَ الثَّبَاتِ، وَيَرْفَعُونَ مِنْ شِعَارِ الْوُدِّ مَا يَخْفُتُ عِنْدَ أَوَّلِ مِحْنَةٍ، وَيُكْثِرُونَ مِنْ حَدِيثِ الْوَفَاءِ مَا يَضِيعُ عِنْدَ أَدْنَى كُلْفَةٍ. وَمَا أَشَدَّ فَقْرَ الْعَصْرِ إِلَى إِنْسَانٍ تَثْقُلُ فِي يَدِهِ الْكَلِمَةُ، فَلَا يُطْلِقُهَا إِلَّا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا سَتَرْجِعُ إِلَيْهِ سُؤَالًا أَوْ حُكْمًا، وَإِلَى قَلْبٍ إِذَا قَرُبَ لَمْ يَقْرُبْ لِيَسْتَهْلِكَ، بَلْ لِيَحْفَظَ وَيَرْعَى وَيَصُونَ، وَإِلَى ضَمِيرٍ إِذَا عَاهَدَ لَمْ يَعُدْ يَمْلِكُ التَّرَاخِيَ بَعْدَ ذٰلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَهْدَ إِذَا دَخَلَ نَفْسًا كَرِيمَةً أَصْبَحَ فِيهَا سُلْطَانًا، لَا زَائِرًا، وَإِذَا اسْتَقَرَّ فِي جَنَانٍ نَقِيٍّ أَضْحَى فِيهِ أَمَانَةً، لَا زِينَةً، وَتَبِعَةً، لَا دَعْوَى. وَمِنْ هُنَا كَانَتْ كِتَابَتِي لَا تَبْحَثُ عَنْ مَسَاحَةٍ فِي الْوَرَقِ، بَلْ عَنْ مَوْضِعٍ فِي الْوَعْيِ، وَلَا تَطْلُبُ إِعْجَابًا عَاجِلًا، بَلْ تَلْتَمِسُ أَثَرًا بَاقِيًا، وَلَا تُرِيدُ مِنَ الْقَارِئِ أَنْ يَقُولَ: مَا أَجْمَلَ هٰذَا الْكَلَامَ، بَلْ أَنْ يَقِفَ بَعْدَهُ لِيَقُولَ: مَا أَثْقَلَ هٰذَا الْمَعْنَى عَلَى مَنْ لَا يَصْدُقُ، وَمَا أَرْفَعَهُ عَلَى مَنْ يَثْبُتُ لَهُ. وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا عَلَّمَتْنِي الْحَيَاةُ أَنَّ الْمَعَانِيَ الْكُبْرَى لَا تَنْكَشِفُ فِي أَيَّامِ السَّعَةِ كَمَا تَنْكَشِفُ فِي أَيَّامِ الضِّيقِ، وَلَا تُعْرَفُ فِي سَاعَاتِ الرِّضَا كَمَا تُعْرَفُ فِي سَاعَاتِ الِاخْتِبَارِ؛ فَكَمْ مِنْ وُجُوهٍ لَامِعَةٍ انْطَفَأَتْ عِنْدَ أَوَّلِ رِيحٍ، وَكَمْ مِنْ أَسْمَاءٍ كَانَ لَهَا فِي الْمَجَالِسِ دَوِيٌّ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِي الْمِحَنِ صَوْتٌ وَلَا أَثَرٌ، وَكَمْ مِنْ قَلْبٍ خَفِيضِ الذِّكْرِ فِي الظَّاهِرِ، عَظِيمِ الْقَدْرِ فِي مِيزَانِ الْوَفَاءِ، لَا يُعْرَفُ عِنْدَ التَّزَاحُمِ، وَلٰكِنَّهُ يُعْرَفُ حِينَ يَتَفَرَّقُ النَّاسُ، وَلَا يَظْهَرُ عِنْدَ الِاتِّسَاعِ، وَلٰكِنَّهُ يَظْهَرُ حِينَ تَضِيقُ الطُّرُقُ وَتَنْقَطِعُ الْأَعْذَارُ. وَلِهٰذَا لَمْ أَجْعَلْ هٰذَا الْكِتَابَ مَدِيحًا لِلْقِيَمِ مِنْ خَارِجِهَا، بَلْ جَعَلْتُهُ دُخُولًا فِي امْتِحَانِهَا؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ عَنِ الْوَفَاءِ سَهْلٌ، وَأَمَّا حَمْلُهُ فَعَسِيرٌ، وَالثَّنَاءُ عَلَى الصِّدْقِ يَسِيرٌ، وَأَمَّا الثَّبَاتُ عَلَيْهِ فَعَسِيرٌ، وَرَفْعُ رَايَةِ الْقُرْبِ فِي الْأَلْفَاظِ مَيْسُورٌ، وَأَمَّا حِفْظُهَا مِنَ السُّقُوطِ عِنْدَ تَعَبِ الْأَيَّامِ فَمِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا مَنْ كَانَ فِي دَاخِلِهِ أَوْسَعَ مِنْ هَوَاهُ، وَأَرْسَخَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ، وَأَنْبَلَ مِنْ نَزْوَةِ لَحْظَتِهِ.

وَإِنِّي لَأُؤْمِنُ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِنَّمَا يُبْصِرُ حَقِيقَةَ نَفْسِهِ حِينَ يَجِدُهَا بَيْنَ شَيْئَيْنِ: بَيْنَ مَا يَهْوَى وَمَا يَنْبَغِي، وَبَيْنَ مَا يَرْبَحُ بِهِ عَاجِلًا وَمَا يَبْقَى لَهُ آجِلًا. وَهُنَا يَتَمَايَزُ الرِّجَالُ: أَفِيهِمْ مَنْ يَحْمِلُ الْمَعْنَى فَيَسْمُو بِهِ، أَمْ فِيهِمْ مَنْ يَطْلُبُ مِنَ الْمَعْنَى أَنْ يَخْدِمَ ضَعْفَهُ فَيَهْوِيَ بِهِ؟ وَلَمْ أَكْتُبْ هٰذَا الْكِتَابَ لِأُقِيمَ فِيهِ خُصُومَةً مَعَ أَحَدٍ، وَلَا لِأَفْتَحَ لِلْعِتَابِ بَابًا فِي وَجْهِ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، بَلْ كَتَبْتُهُ لِأَنِّي رَأَيْتُ الْمَعْنَى نَفْسَهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُنْصَرَ، وَالْقِيمَةَ نَفْسَهَا تَسْتَحِقُّ أَنْ يُقَامَ لَهَا شَاهِدٌ مِنَ الْبَيَانِ، وَالْإِنْسَانَ نَفْسَهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُدْعَى إِلَى مَقَامٍ أَرْفَعَ مِنْ مَقَامِ التَّلَوُّنِ وَالِاسْتِهْلَاكِ وَالْمُرَاوَغَةِ. فَمَا أَشَدَّ مَا تَضِيعُ الْمَعَانِي حِينَ تُتْرَكُ لِأَهْلِ الِادِّعَاءِ، وَمَا أَسْرَعَ مَا تَهُونُ الْكَلِمَةُ حِينَ يَحْمِلُهَا مَنْ لَا يُحْسِنُ وَزْنَهَا، وَمَا أَقْبَحَ أَنْ تُسَمَّى الْخِفَّةُ لِينًا، وَيُسَمَّى التَّلَوُّنُ حِكْمَةً، وَتُسَمَّى الْمَنْفَعَةُ وُدًّا، وَيُسَمَّى التَّرَاخِي سَعَةً. وَلِهٰذَا جَعَلْتُ لِلْكِتَابِ صَوْتًا يَجْمَعُ بَيْنَ الرِّقَّةِ وَالْحَسْمِ، وَيَسِيرُ بَيْنَ النُّورِ وَالنَّارِ؛ فَهُوَ لَا يَقْسُو لِيُؤْذِيَ، وَلَا يَلِينُ لِيُخَاتِلَ، بَلْ يَطْلُبُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِهِ كَالسَّيْفِ إِذَا احْتِيجَ إِلَى الْقَطْعِ، وَكَالْمَاءِ إِذَا احْتِيجَ إِلَى التَّطْهِيرِ، وَكَالضَّوْءِ إِذَا احْتِيجَ إِلَى الْكَشْفِ. وَمَا أَحْسَبُ الْكُتُبَ تَبْقَى لِأَنَّهَا أَحْسَنَتِ الصِّيَاغَةَ فَحَسْبُ، بَلْ تَبْقَى حِينَ تَجْمَعُ إِلَى حُسْنِ الصِّيَاغَةِ صِدْقَ الْقَصْدِ، وَإِلَى جَمَالِ التَّرْكِيبِ شَرَفَ الْمَقْصُودِ، وَإِلَى قُوَّةِ الْبَيَانِ نُبْلَ الْغَايَةِ. فَإِنْ قُدِّرَ لِهٰذَا الْكِتَابِ أَنْ يَبْقَى، فَلَنْ يَبْقَى لِأَنَّهُ أَجَادَ الْعِبَارَةَ فَحَسْبُ، بَلْ لِأَنَّهُ حَاوَلَ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَى مَعْنًى كَبِيرٍ فِي زَمَنٍ خَفَّتْ فِيهِ الْمَعَانِي عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ.

وَإِنِّي، فِي هٰذِهِ الْكَلِمَةِ، لَا أَزْعُمُ أَنِّي قَدْ أَحَطْتُ بِالْمَعْنَى مِنْ جَمِيعِ أَطْرَافِهِ؛ فَإِنَّ الْمَعَانِيَ الْعُلْيَا أَوْسَعُ مِنْ أَنْ تَحْوِيَهَا الصَّفَحَاتُ، وَأَبْقَى مِنْ أَنْ يَسْتَوْفِيَهَا كِتَابٌ وَاحِدٌ؛ وَلٰكِنِّي أَرْجُو أَنْ أَكُونَ قَدْ دَلَلْتُ عَلَى بَابِهَا، وَرَفَعْتُ لَهَا عَلَمًا، وَتَرَكْتُ فِي الطَّرِيقِ إِلَيْهَا مَا يَهْدِي السَّائِرَ، وَلَا يَسْتَبِدُّ بِمَسِيرِهِ. فَإِنَّ «كَلِمَةَ عَهْدٍ وَرَايَةَ قُرْبٍ» لَيْسَتَا عِنْدِي حُرُوفًا تَتَآلَفُ لِتُعْجِبَ النَّاظِرَ، بَلْ مَعْنًى يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَفِعَ فِي الْإِنْسَانِ حَتَّى يَصِيرَ مِنْ بِنَائِهِ، وَنُورًا يَنْبَغِي أَنْ يَتَّصِلَ بِضَمِيرِهِ حَتَّى يَصِيرَ مِنْ بَصِيرَتِهِ، وَمِيزَانًا يَنْبَغِي أَنْ يَقُومَ فِي سُلُوكِهِ حَتَّى يَصِيرَ مِنْ سِيرَتِهِ.

فَإِنْ وَجَدَ الْقَارِئُ فِي هٰذِهِ الصَّفَحَاتِ مَا يُعِينُهُ عَلَى أَنْ يَرَى نَفْسَهُ أَصْدَقَ، وَيَزِنَ مَوَاقِفَهُ أَعْدَلَ، وَيَحْمِلَ عَهْدَهُ أَثْقَلَ، وَيَرْفَعَ رَايَةَ قُرْبِهِ أَنْقَى، فَقَدْ أُصِيبَ الْمَقْصُودُ، وَوُضِعَتِ الْكَلِمَةُ فِي مَوْضِعِهَا.

وَإِنْ كَانَ لِلْمُؤَلِّفِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ كِتَابِهِ رَجَاءٌ يَسْكُنُ إِلَيْهِ، فَهُوَ أَنْ يَبْقَى هٰذَا الْأَثَرُ بَعْدَهُ شَاهِدًا؛ لَا عَلَى مَهَارَتِهِ فَحَسْبُ، بَلْ عَلَى إِخْلَاصِهِ لِلْمَعْنَى الَّذِي آمَنَ بِهِ، وَأَرَادَ لَهُ أَنْ يَبْقَى فِي النَّاسِ نُورًا لَا يَخْبُو، وَهُدًى لَا يَضِلُّ، وَمِيزَانًا لَا يَمِيلُ، وَأَثَرًا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ صَاحِبِهِ قَبْلَ أَنْ يَدُلَّ عَلَى قُدْرَتِهِ. وَإِذْ يَفْرُغُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ بَسْطِ مَا عِنْدَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَفْرُغُ مِنْ مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْحَيَّ لَا يَنْقَطِعُ عِنْدَ آخِرِ السَّطْرِ، بَلْ يَنْبَعِثُ هُنَاكَ انْبِعَاثًا آخَرَ فِي النَّفْسِ، وَالذِّهْنِ، وَالضَّمِيرِ. وَهٰذَا الِاسْتِدْرَاكُ لَيْسَ عَوْدًا إِلَى مَا قِيلَ، وَلَا تَكْرَارًا لِمَا مَضَى، بَلْ هُوَ مَسِيرُ الْمَعْنَى إِلَى أَبْعَدِ مَدًى، حَيْثُ لَا يَبْقَى الْكَلَامُ كَلَامًا، بَلْ يَصِيرُ وَعْيًا يَتَشَكَّلُ، وَمِيزَانًا يَتَقَوَّمُ، وَمَوْقِفًا يَتَمَايَزُ بِهِ الْإِنْسَانُ مِنْ نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَمَايَزَ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ. وَإِنِّي، إِذْ سَمَّيْتُ كِتَابِي «كَلِمَةَ عَهْدٍ وَرَايَةَ قُرْبٍ»، لَمْ أُرِدْ لَهُ أَنْ يَقِفَ عِنْدَ حُدُودِ التَّسْمِيَةِ، بَلْ أَرَدْتُهُ أَنْ يَنْفُذَ إِلَى جَوْهَرٍ تَضِيقُ عَنْهُ الْأَسْمَاءُ، وَتَتَّسِعُ لَهُ الْمَوَاقِفُ. فَالْعَهْدُ لَيْسَ مَعْنًى يُسْتَحْضَرُ لِحُسْنِ وَقْعِهِ، بَلْ أَمْرٌ تُبْنَى عَلَيْهِ الذِّمَمُ، وَتَثْقُلُ بِهِ الْأَعْنَاقُ، وَيَعْلُو أَوْ يَهْبِطُ بِهِ الْمَرْءُ فِي مَرَاتِبِهِ. وَالْقُرْبُ لَيْسَ مُجَرَّدَ دُنُوٍّ يَحْسُنُ فِي الظَّاهِرِ، بَلْ هُوَ صِلَةٌ تَتَحَوَّلُ، إِذَا صَدَقَتْ، إِلَى سَكِينَةٍ فِي الْقَلْبِ، وَثَبَاتٍ فِي الْمِحْنَةِ، وَإِلَى رَايَةٍ لَا تَرْتَفِعُ بِحُسْنِ أَلْوَانِهَا، بَلْ بِصِدْقِ مَنْ يَثْبُتُ تَحْتَهَا. وَمِنْ هُنَا كَانَ لِهٰذَا الْكِتَابِ أَنْ يَمْتَدَّ بَعْدَ كَلِمَةِ الْمُؤَلِّفِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْمَعَانِي إِنَّمَا يَبْدَأُ بَيَانُهَا عِنْدَمَا يَظُنُّ النَّاسُ أَنَّ الْبَيَانَ قَدِ اكْتَمَلَ، وَإِنَّمَا يَكْشِفُ أَعْمَاقَهُ حِينَ يُخَيَّلُ إِلَى السَّامِعِ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الْأَمْرِ مَزِيدٌ. وَلَقَدْ بَانَ لِي، وَأَنَا أُقَلِّبُ النَّظَرَ فِي مَسِيرِ الْإِنْسَانِ مَعَ الْعَهْدِ وَالْقُرْبِ، أَنَّ الْمُشْكِلَةَ الْكُبْرَى لَيْسَتْ فِي جَهْلِ النَّاسِ بِالْمَعَانِي، بَلْ فِي خِفَّتِهَا فِي نُفُوسِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ؛ فَهُمْ يَعْرِفُونَ الْوَفَاءَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَلٰكِنَّهُمْ لَا يَحْفَظُونَهُ فِي مَوَاقِفِهِمْ، وَيُثْنُونَ عَلَى الصِّدْقِ فِي خُطَبِهِمْ، وَلٰكِنَّهُمْ يَضِيقُونَ بِهِ حِينَ يُصْبِحُ عَلَيْهِمْ تَبِعَةً، وَيَرْفَعُونَ مِنَ الْقُرْبِ شِعَارًا، وَلٰكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى حِفْظِهِ إِذَا طَالَ الطَّرِيقُ، وَثَقُلَ الْحَمْلُ، وَضَاقَتِ الْأَحْوَالُ.

وَمِنْ هُنَا كَانَتِ الْفَاجِعَةُ لَا فِي انْعِدَامِ الْأَسْمَاءِ، بَلْ فِي تَآكُلِ الْجَوَاهِرِ، وَلَا فِي فَقْرِ اللِّسَانِ، بَلْ فِي فَقْرِ الْجَنَانِ، وَلَا فِي قِلَّةِ مَنْ يَتَكَلَّمُونَ، بَلْ فِي نُدْرَةِ مَنْ يَثْبُتُونَ. فَإِذَا قُلْتُ: كَلِمَةُ عَهْدٍ، فَإِنَّمَا أَعْنِي كَلِمَةً إِذَا خَرَجَتْ لَمْ تَعُدْ صَوْتًا فِي الْهَوَاءِ، بَلْ أَصْبَحَتْ حَدًّا فِي الضَّمِيرِ. وَإِذَا قُلْتُ: رَايَةُ قُرْبٍ، فَإِنَّمَا أَعْنِي قُرْبًا لَا يَنْقَطِعُ بِانْقِطَاعِ التَّوَاصُلِ، وَلَا يَذْبُلُ بِفُتُورِ الْمَوْسِمِ، بَلْ يَبْقَى فِي أَعْمَاقِ النَّفْسِ بَقَاءَ الْجِذْرِ فِي الْأَرْضِ؛ لَا يُرَى كُلُّهُ، وَلٰكِنْ يُعْرَفُ أَثَرُهُ فِي الثَّبَاتِ وَالْبَقَاءِ. وَإِنَّ أَكْبَرَ مَا يَفْضَحُ الزَّيْفَ فِي هٰذَا الْبَابِ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يُحْسِنُونَ الدُّخُولَ فِي الْمَعَانِي، وَلٰكِنَّهُمْ لَا يُحْسِنُونَ الْبَقَاءَ فِيهَا؛ يَعْرِفُونَ مَبْدَأَ الْمَوَدَّةِ، وَلَا يَعْرِفُونَ حُرْمَةَ الدَّوَامِ عَلَيْهَا، وَيُجِيدُونَ إِبْهَارَ اللَّحْظَةِ، وَلَا يُجِيدُونَ حَمْلَ السَّنَةِ بَعْدَ السَّنَةِ عَلَى نَفْسِ الْوَجْهِ مِنَ الصِّدْقِ. وَإِنِّي لَأَرَى أَنَّ الْمُؤَلِّفَ لَا يَكْمُلُ دَوْرُهُ بِأَنْ يَكْتُبَ مَا عِنْدَهُ وَحَسْبُ، بَلْ بِأَنْ يَضَعَ قَارِئَهُ أَمَامَ نَفْسِهِ وُقُوفًا مُجَرَّدًا، لَا يَدَعُ لَهُ مَهْرَبًا إِلَى التَّزْيِينِ، وَلَا مَلَاذًا إِلَى التَّأْوِيلِ الرَّخْوِ.

وَهٰذَا مَا أَرَدْتُهُ لِهٰذَا الْكِتَابِ: أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ مَنْ يَقْرَؤُهُ لَا وِسَادَةً يُرِيحُ عَلَيْهَا تَفْكِيرَهُ، بَلْ مِيزَانًا يَرْجِعُ إِلَيْهِ، وَلَا نَافِذَةً يَنْظُرُ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهِ، بَلْ مِرْآةً يَنْظُرُ فِيهَا إِلَى ذَاتِهِ، وَلَا حُلِيًّا لِلذَّوْقِ، بَلْ مِبْرَدًا لِلزَّوَائِدِ الَّتِي عَلِقَتْ بِالضَّمِيرِ. وَلِأَنِّي أَعْرِفُ أَنَّ الْمُؤَلِّفَ قَدْ يَفْتَتِنُ بِبَهَاءِ كَلِمَاتِهِ، فَيَغْفُلُ عَنْ جَوْهَرِهَا، فَقَدْ حَاوَلْتُ أَنْ أَجْعَلَهَا فِي هٰذَا الْمَقَامِ خَادِمَةً لِلْمَعْنَى، لَا سَيِّدَةً عَلَيْهِ؛ فَإِذَا تَزَاحَمَ حُسْنُ التَّرْكِيبِ وَشَرَفُ الْمَقْصُودِ، قَدَّمْتُ شَرَفَ الْمَقْصُودِ، وَإِذَا احْتَاجَتِ الْحَقِيقَةُ إِلَى لَفْظٍ أَقَلَّ نُعُومَةً وَأَشَدَّ صِدْقًا، آثَرْتُهُ عَلَى كُلِّ مَا سِوَاهُ. فَالْكِتَابَةُ الَّتِي تَتَخَلَّى عَنْ حَقِّهَا فِي الْكَشْفِ لِتَحْفَظَ لِنَفْسِهَا حُسْنَ الْوَقْعِ، كَكَائِنٍ يَجْمُلُ وَجْهُهُ وَيَفْسُدُ قَلْبُهُ. وَأَمَّا الْكِتَابَةُ الَّتِي تُحْسِنُ الْقِيَامَ بِمَعْنَاهَا، فَهِيَ الَّتِي تَبْقَى؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَمِدُّ بَقَاءَهَا مِنْ طَرَاوَةِ لَفْظِهَا فَحَسْبُ، بَلْ مِنْ قُوَّةِ مَا تَحْمِلُهُ، وَصِدْقِ مَا تَشْهَدُ لَهُ.

وَلَعَلَّ هٰذَا هُوَ السِّرُّ فِي أَنَّ بَعْضَ النُّصُوصِ تَنْسَابُ كَالرِّيحِ، وَبَعْضَهَا يَبْقَى كَالْجَبَلِ: تِلْكَ لِأَنَّهَا قِيلَتْ لِتُعْجِبَ، وَهٰذِهِ لِأَنَّهَا كُتِبَتْ لِتُقِيمَ مَعْنًى، وَتَحْمِلَ حَقًّا، وَتُبْقِيَ فِي النَّاسِ أَثَرًا يَتَجَدَّدُ كُلَّمَا رَجَعُوا إِلَيْهَا.

فَإِنِّي لَا أُرِيدُ لِهٰذَا الِاسْتِدْرَاكِ أَنْ يَكُونَ خَاتِمَةً تُغْلِقُ الْبَابَ، بَلْ أُرِيدُهُ مِفْتَاحًا يَفْتَحُ مَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي يَقِفُ عِنْدَ الْكِتَابِ مَعْنًى نَاقِصٌ، وَأَمَّا الْمَعْنَى الَّذِي يَخْرُجُ مَعَ الْقَارِئِ إِلَى حَيَاتِهِ، فَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْبَقَاءَ. فَإِنْ كُنْتُ قَدْ قُلْتُ مَا قُلْتُ فِي الْعَهْدِ، فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ أَنْ يُعْجَبَ بِهِ السَّامِعُ، بَلْ أَنْ يَسْأَلَ نَفْسَهُ عِنْدَ كُلِّ مَوْقِفٍ: هَلْ أَنَا مِنْ أَهْلِ الْكَلِمَةِ إِذَا ثَقُلَتْ؟ وَإِنْ كُنْتُ قَدْ رَفَعْتُ مِنْ شَأْنِ الْقُرْبِ، فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ أَنْ يَرُوقَ ذٰلِكَ لِلذَّوْقِ، بَلْ أَنْ يَتَحَوَّلَ فِي النَّفْسِ إِلَى سُؤَالٍ دَائِمٍ: هَلْ أَحْمِلُ رَايَةَ قُرْبِي بِصِدْقٍ، أَمْ أَتَّخِذُهَا زِينَةً أُرِي النَّاسَ بِهَا مَا لَا أُقِيمُهُ فِي نَفْسِي؟ وَمِنْ هُنَا أَرْجُو أَنْ يَكُونَ هٰذَا الْكِتَابُ، بِمَا فِيهِ وَبِمَا يَمْتَدُّ مِنْهُ، نُقْطَةَ عَوْدٍ إِلَى الْأَصْلِ بَعْدَ كَثْرَةِ التَّشَتُّتِ، وَنُقْطَةَ صَحْوٍ بَعْدَ طُولِ الِاعْتِيَادِ، وَنُقْطَةَ قِيَامٍ بَعْدَ تَسَاهُلٍ طَالَ. وَإِنْ كَانَ لِي أَنْ أَتَمَنَّى بَعْدَ هٰذَا كُلِّهِ، فَمَا أَتَمَنَّاهُ أَلَّا يَمُرَّ هٰذَا الْكَلَامُ عَلَى الْقُلُوبِ مُرُورَ الظِّلِّ، بَلْ أَنْ يَدْخُلَهَا دُخُولَ النُّورِ: يَكْشِفُ وَلَا يَفْضَحُ، وَيُقِيمُ وَلَا يَقْهَرُ، وَيَدْعُو وَلَا يُرَاوِغُ. فَإِذَا وَقَعَ مِنْ ذٰلِكَ قَدْرٌ، فَقَدْ نَالَتْ «كَلِمَةُ عَهْدٍ وَرَايَةُ قُرْبٍ» شَيْئًا مِمَّا وُضِعَتْ لَهُ: أَنْ تَكُونَ فِي النُّفُوسِ يَقَظَةً، وَفِي الضَّمَائِرِ مِيزَانًا، وَفِي الْمَوَاقِفِ بُرْهَانًا، وَفِي الْأَيَّامِ أَثَرًا لَا يَنْدَثِرُ.

وَلَا يَقِفُ الْمَعْنَى عِنْدَ حَدِّ مَا قِيلَ، بَلْ يَمْتَدُّ فِي الْأَيَّامِ امْتِدَادَ النَّهْرِ بَعْدَ مَنْبَعِهِ؛ يَتَّسِعُ حِينًا، وَيَضِيقُ حِينًا، وَلٰكِنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ مَا دَامَ فِيهِ مَاءٌ يَجْرِي. وَكَذٰلِكَ هٰذَا الْمَعْنَى، لَا يَكْتَفِي بِأَنْ يُقْرَأَ، بَلْ يَطْلُبُ أَنْ يُعَاشَ، وَلَا يَرْضَى بِأَنْ يُحْفَظَ فِي الذَّاكِرَةِ، بَلْ يُرِيدُ أَنْ يَسْكُنَ فِي الْمَوْقِفِ. فَإِذَا خَرَجَ الْقَارِئُ مِنَ الصَّفْحَةِ، شَرَعَتِ الصَّفْحَةُ فِي الِانْفِتَاحِ عَلَيْهِ؛ وَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْقِرَاءَةِ، شَرَعَتِ الْمُرَاجَعَةُ؛ وَإِذَا ظَنَّ أَنَّهُ أَدْرَكَ، كُشِفَ لَهُ أَنَّ فِي الْمَعْنَى بَقَايَا لَا تُدْرَكُ إِلَّا بِالصَّبْرِ وَالزَّمَنِ. وَهُنَا يَتَبَدَّلُ الْمَوْضِعُ: فَلَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ نَاظِرًا إِلَى الْمَعْنَى، بَلْ يَصِيرُ مَنْظُورًا بِهِ؛ وَلَا يَكُونُ الْعَهْدُ مَا يُذْكَرُ، بَلْ مَا يُمْتَحَنُ؛ وَلَا يَكُونُ الْقُرْبُ مَا يُقَالُ، بَلْ مَا يُحْمَلُ. وَمِنْ هُنَا يَنْبَثِقُ طَرِيقٌ آخَرُ لَا تُرَى مَعَالِمُهُ فِي أَوَّلِ النَّظَرِ، بَلْ تَتَكَشَّفُ مَعَ السَّيْرِ، كُلَّمَا خَفَّ فِي النُّفُوسِ ثِقْلُ الْوَهْمِ، وَثَقُلَ فِيهَا حَقُّ الْحَقِيقَةِ؛ فَتَنْقَلِبُ الْأَلْفَاظُ فِيهِ مَوَاقِفَ، وَتَتَحَوَّلُ الْمَعَانِي أَثْقَالًا تُحْمَلُ، لَا أَصْدَاءً تُرَدَّدُ. وَمَا كُلُّ مَنْ شَرَعَ بَلَغَ، وَلَا كُلُّ مَنْ أَبْصَرَ ثَبَتَ؛ بَلْ هُنَاكَ مَنْ يَخْفُتُ عِنْدَ أَوَّلِ تَعَبٍ، وَهُنَاكَ مَنْ يَشْتَدُّ عِنْدَ أَوَّلِ اخْتِبَارٍ؛ وَبَيْنَ خُفُوتٍ يَذْوِي وَاشْتِدَادٍ يَبْقَى، يَتَبَيَّنُ مَنْ يَحْمِلُ الْمَعْنَى وَمَنْ يَحْمِلُ اسْمَهُ.

وَفِي هٰذَا الِامْتِدَادِ تَنْقَلِبُ الْمَوَازِينُ انْقِلَابًا لَا يُرْجِعُ الْأَمْرَ إِلَى مَا كَانَ، بَلْ يَرْفَعُهُ إِلَى مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ؛ فَلَا يَبْقَى لِلْقَوْلِ سُلْطَانٌ إِلَّا بِقَدْرِ مَا يُسْنِدُهُ الْفِعْلُ، وَلَا لِلصُّورَةِ بَهَاءٌ إِلَّا بِقَدْرِ مَا يُقِيمُهُ الْجَوْهَرُ. هُنَاكَ يُعْرَفُ مَنْ يَبْنِي وَمَنْ يُزَخْرِفُ، وَمَنْ يُثَبِّتُ وَمَنْ يُلَمِّعُ؛ هُنَاكَ تَسْقُطُ زِينَةٌ وَتَبْقَى حَقِيقَةٌ، وَيَخْفُتُ صَوْتٌ وَيَعْلُو أَثَرٌ. فَإِمَّا مَنْ يَجْعَلُ الْمَعْنَى خَادِمًا لِهَوَاهُ فَيَخِفُّ، وَإِمَّا مَنْ يَجْعَلُ نَفْسَهُ خَادِمَةً لِلْمَعْنَى فَيَثْقُلُ وَيَرْتَفِعُ؛ وَبَيْنَ خِفَّةٍ تُضَيِّعُ وَثِقَلٍ يُقِيمُ، يَتَفَاصَلُ النَّاسُ لَا بِمَا يَقُولُونَ، بَلْ بِمَا يَثْبُتُونَ عَلَيْهِ. وَمَا أَبْلَغَ الْفَرْقَ بَيْنَ مَنْ يَسْتَعْجِلُ فَيُضَيِّعُ غَايَتَهُ، وَمَنْ يُحْسِنُ حِفْظَ خُطُوَاتِهِ فَيَبْلُغُ غَايَتَهُ؛ فَإِنَّ الطَّرِيقَ لَا يَحْفَظُ سَالِكَهُ، وَلٰكِنَّ السَّالِكَ هُوَ الَّذِي يَحْفَظُ الطَّرِيقَ أَوْ يُضَيِّعُهُ. وَهُنَا يَكْتَمِلُ الْمَعْنَى لَا بِانْقِطَاعِهِ، بَلْ بِدَوَامِهِ؛ فَلَا يَكُونُ خَاتِمَةً تُطْوَى، بَلْ أَثَرًا يَبْقَى، وَلَا يَكُونُ صَوْتًا يَخْفُتُ، بَلْ حُضُورًا يَتَجَدَّدُ، حَتَّى يَصِيرَ فِي الْأَيَّامِ عَلَامَةً، وَفِي الْمَوَاقِفِ فَيْصَلًا، وَفِي النُّفُوسِ شَيْئًا لَا يَخْبُو.