دُسْتُورِي… مِيزَانُ قَلْبٍ وَمَنْهَجُ حَيَاةٍ
كُلُّ الْكُتُبِ

دُسْتُورِي… مِيزَانُ قَلْبٍ وَمَنْهَجُ حَيَاةٍ

النَّاشِرُ
الْمَكْتَبَةُ الْعَصْرِيَّةُ — صَيْدَا، لُبْنَانُ
السَّنَةُ
2025

كِتَابُ «دُسْتُورِي… مِيزَانُ قَلْبٍ وَمَنْهَجُ حَيَاةٍ» لِلدُّكْتُورِ يُوسُفَ أَحْمَدَ الْمِيعَارِيِّ، صَدَرَ عَنِ الْمَكْتَبَةِ الْعَصْرِيَّةِ فِي صَيْدَا، لُبْنَانَ.

نَبْضٌ بَيْنَ دَفَّتَيْنِ

هَذَا الْكِتَابُ... لَيْسَ كَلَامًا، بَلْ مِيزَانُ قَلْبِ وَمَنْهَجُ حَيَاةٍ.

لَيْسَ هَذَا الْكِتَابُ مُجَرَّدَ أَوْرَاقٍ مَكْتُوبَةٍ، وَلَا هُوَ جَمْعٌ لِمَوَادِّ التَّرْبِيَةِ وَقَوَاعِدِهَا فِي أُطُرٍ نَظَرِيَّةٍ تُحَفَّظُهَا الْعُقُولُ وَتَنْسَاهَا الْأَفْعَالُ. هَذَا الْكِتَابُ، فِي جَوْهَرِهِ، صَوْتُ الضَّمِيرِ إِذَا صَحَا، وَأَمَانَةُ الرُّوحِ إِذَا نَطَقَتْ، وَعَقْلٌ يُرَبِّي النَّشْءَ وَهُوَ يُؤْمِنُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُصَاغُ بِالْوَاعِظِ، وَلَا يُقَادُ بِالصَّوْتِ، وَلَكِنَّهُ يُبْنَى فِي مَخَافَةِ النِّيَّةِ، وَسَلَامَةِ الْعَقْلِ، وَحُبِّ الْحَقِّ مَقْصِدُ هَذَا الْكِتَابِ أَنْ يَصْنَعَ فِي كُلِّ بَيْتٍ إِنسَانًا أَرْقَى، وَفِي كُلِ عَاقِلٍ مِيزَانَا أَعْدَلَ، وَفِي كُلِّ أَبٍ وَأُمِّ مِرْآةً تُعِينُهُم عَلَى الرُّؤْيَةِ الصَّادِقَةِ، دُونَ مُجَامَلَةٍ، وَلَا تَسَاهُلٍ وَلَا تَرَاخٍ، وَلَا غِشٍّْ لِأَنْفُسِهِمْ.

وَهُوَ، فِي نَبْضِهِ، كِتَابُ إِيقَاظِ، يُوقِظُ فِي الْقَارِئِ فِكْرَةً كَانَ قَدْ سَكَتَ عَنْهَا، وَشُعُورًا كَادَ يَذْبُلُ فِي زحَامِ التَّوْجِيهِ الْمُزَيَّفِ. وَفِي أَسْلُوبِهِ، هُوَ كِتَابُ مُصَاحَبَةٍ، يُمْسِكُ بِيَدِكَ، وَلَا يُلْقِيكَ فِي لُجَجِ النَّظَرِيَّاتِ، وَلَا يُرْهِقُكَ بِتَصْنِيفَاتِ الْمَكَاتِبِ، بَلْ يُكَلِّمُكَ كَمَا يُكَلِّمُ الْأَبُ وَلَدَهُ، حُبٍّ، وَوُدٍّ، وَعَزْمٍ عَلَى الصَّلَاحِ.

اقْرَأِ النَّصَّ كَامِلًا

فَفِي كُلِّ بَابٍ مِنْهُ، مَعْنَى يُرِيدُ أنْ يُقَوِّمَ مَا انْحَرَفَ، وَيُرَتِّبَ مَا افْتَقَدَ التَّوَازُنَ، وَيُعِيدَ إِلَى التَّرْبِيَةِ مَعْنَاهَا النَّقِيَّ، حَيْتُ يُرَبَّى الْإِنْسَانُ عَلَى أَنْ يُفَكِّرَ، وَيُحِسَّ، وَيَرْفَعَ نَفْسَهُ بِالْقِيمَةِ، لَا بِالظَّاهِرِ، وَلَا بِالصَّوْتِ، وَلَا بِالشَّكْلِ.

وَهُوَ كِتَابٌ يَفْهَمُ الطِّفْلَ قَبْلَ أَنْ يُحَاكِمَهُ، وَيَنْظُرُ إِلَى الْوَلَدِ كَمَا هُوَعَلَيْهِ، لَا كَمَا نَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يُخَاطِبُ فِيهِ النُّضْجَ بِالصَّبْرِ، وَيَزْرَعُ فِيهِ الرُّجُولَةَ بِالْمَعْرِفَةِ، وَيُقَوِّي نَبَاتَهُ الدَّاخِلِيَّ بِالْقِيَمِ، لَا بِالْأَوَامِرِ.

وَإِنَّ مَا يُمَيِّزُ هَذَا الْكِتَابَ عَنْ غَيْرِهِ، أَنَّهُ لَا يُقَدِّمُ حَلّاً وَيَمْضِي، بَلْ يَصْنَعُ فِيكَ نُضْجًا يَجْعَلُكَ أَنْتَ صَانِعَ الْحَلِّ. لِذَلِكَ تَجِدُ فِيهِ كَثِيرًا مِنَ السُّكُونِ وَالتَّفَكُرِ، وَقَلِيلًا مِنَ الصَّخَبِ وَالْقَطْعِ. فَهُوَ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَفْهَمَ، لَا لِمَنْ يَطْلُبُ أَنْ يُقْنِعَ نَفْسَهُ سَريعًا.

وَإِنِّي، وَأَنَا أَكْتُبُ كُلَّ جُمْلَةٍ فِيهِ، كُنْتُ أَشْعُرُ أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ مِنْ قَلَمٍ، وَلَكِنْ مِنْ ضَمِيرٍ يَخْشَى عَلَى النَّاسِ، وَيَتَمَنَّى لَهُمْ خَيْرًا فِي نُفُوسِهِمْ قَبْلَ حَيَاتِهِمْ، وَيَرَى فِي كُلِّ وَلَدٍ رَجُلًا يَسْتَحِقُ أَنْ يُرَبَّى عَلَى الطُّهْرِ، وَفِي كُلِّ أَبٍ رِسَالَةً يَجِبُ أَنْ تُصَانَ.

فَهَذَا، وَاللَّهِ، كِتَابٌ يُقْرَأُ لِأَنْفُسِنَا قَبْلَ أَنْ نُقَدِمَهُ لِغَيْرِنَا، وَيُقْرَأُ بِعَيْنَيْنِ صَادِقَتَيْنِ، وَقَلْبٍ يُرِيدُ لِلنِّهَايَةِ أَنْ تَكُونَ نَبِيلَةً. فَإِذَا مَا أَتَيْتَهُ بِحُبٍ، أَعَادَكَ إِلَى نَفْسِكَ نَقِيًّا، وَإِنْ قَرَأْتَهُ بِنِيَّةٍ، فَاضَ عَلَيْكَ مِنَ الرُّؤْيَةِ مَا لَا يُقَالُ فِي مِئَةِ دَرْسٍ.

وَاللَّهُ مِنْ وَرَاءِ الْقَصْدِ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ، وَفِيهِ الرَّجَاءُ، وَإِلَيْهِ يُرْفَعُ كُلُّ خَيْرٍ.

إنَّ هذَا الْكِتَابَ يُلْقِي بَذْرَتَهُ فِي الْقَلْبِ، وَيَمْضِي، وَيَبْقَى عَلَيْكُمْ أَنْ تَسْقُوهَا بِالْفِكْرِ وَالْعَمَلِ، وَتُثْمِرُوهَا فِي الدُّنْيَا أَثَرًا يَقُومُ وَيَشْهَدُ.

لَمْ نَأْتِ نُقَرِّرُ مَا يَجِبُ، وَلَا لِنُغْلِقَ بِالْكَلِمَاتِ أَبْوَابَ الْأَفْهَامِ، بَلْ كَانَ هَذَا الْكِتَابُ صَوْتَا يُنَادِي فِي زَمَنٍ كَثُرَ فِيهِ اللَّغَطُ، وَدُسْتُورًا يُخَاطِبُ الضَّمِيرَ، لَا السُلْطَةَ، وَيَرْجُو فِي كُلِّ سَطْرِ أَنْ يُنْبِتَ فِي الْإِنْسَانِ شَيْئًا مِنَ النُّبْلِ، وَشَيْئًا مِنَ النَّقَاءِ، وَشَيْئًا مِنَ الْقُوَّةِ الَّتِي لَا تُبَاعُ وَلَا تُشْتَرَى.

كُنَّا نَكْتُبُ لِنُرَبِّي، وَلِنُشْعِلَ نُقْطَةَ نُورٍ فِي قَلْبِ كُلِّ وَلَدٍ، وَفِي قَلْبِ كُلِّ أَبٍ، وَكُلِّ أُمِّ، وَفِي كُلِّ نَفْسِ تُؤْمِنُ أَنَّ التَّرْبِيَةَ فِعْلُ خُلُودٍ، وَأَنَّ الرِّسَالَةَ تَبْقَى وَإِنْ غَابَ حَامِلُهَا.

وَإِنْ كَانَ لِهَذَا الْكِتَابِ آخِرٌ، فَإِنَّ دُسْتُورَهُ مَعْلُوقٌ فِي الضَّمَائِرِ، وَقَدْ كَتَبْنَا فِيهِ الْمَبَادِئَ بِحِبْرِ الْقَلْبِ، وَبَقِيَ عَلَيْكُمْ أَنْ تُتِمُّوهُ بِحُسْنِ الْأَثَرِ.

فَمَنْ رَبَّى وَلَدَهُ عَلَى النُّبْلِ، فَقَدْ كَتَبَ فَصْلًا.

وَمَنْ نَقَّى نِيّتَهُ فِي الْعَطَاءِ، فَقَدْ أَتَمَ السُّطُورَ.

وَمَنْ خَرَجَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، وَحَفِظَ لِلْقِيمَةِ مَقَامَهَا، فَإِنَّهُ هُوَ الْكَاتِبُ الْأَخِيرُ.

فَسِيرُوا بِدُسْتُورٍ لَا يُفَاخِرُ، وَلَا يَطْلُبُ الشُّهْرَةَ، وَلَا يُجَادِلُ، وَلَا يَصْرُخُ، بَلْ يَبْنِي، وَيُوَثِرُ، وَيَصْمُتُ أَحْيَانًا، وَيَبْقَى.