لِمَاذَا الطِّبُّ الْأَصِيلُ؟
إعْدَاد مَرْكَز RC
لِمَاذَا اخْتَرْتَ التَّدَاوِيَ بِالْأَعْشَابِ، وَلِمَاذَا تُسَمِّيهِ الطِّبَّ الْأَصِيلَ بَدَلًا مِنَ الطِّبِّ الْبَدِيلِ؟
اخْتَرْتُ التَّدَاوِيَ بِالْأَعْشَابِ لِأَنَّنِي وَجَدْتُ فِي عَالَمِ النَّبَاتِ مَا يَسْتَنْهِضُ عَقْلِي وَيَسْتَمِيلُ وِجْدَانِي؛ فَفِي اخْضِرَارِ الْوَرَقَةِ حِكَايَةُ حَيَاةٍ، وَفِي امْتِدَادِ الْجَذْرِ فِي عُمْقِ التُّرَابِ صُورَةٌ لِلصَّبْرِ وَالنَّمَاءِ. غَيْرَ أَنَّ هَذَا الْجَمَالَ يَفْتَحُ لِي بَابَ التَّأَمُّلِ، وَلَا يَنْهَضُ وَحْدَهُ دَلِيلًا عَلَى فَاعِلِيَّةِ الْعِلَاجِ؛ فَلِلْمَعْرِفَةِ بُرْهَانُهَا، وَلِلْمَسْؤُولِيَّةِ مِيزَانُهَا، وَلِصِحَّةِ الْإِنْسَانِ حُرْمَةٌ تَحْكُمُ كُلَّ اجْتِهَادٍ.
وَلَمْ يَكُنِ اخْتِيَارِي مُجَرَّدَ مَيْلٍ إِلَى الْقَدِيمِ، وَلَا افْتِتَانًا بِكُلِّ مَا تَحْمِلُهُ الْأَرْضُ مِنْ خُضْرَةٍ؛ إِنَّمَا كَانَ تَطَلُّعًا إِلَى مُعَالَجَةٍ تَرَى الْإِنْسَانَ فِي تَكَامُلِهِ: جَسَدًا يَتَأَلَّمُ، وَنَفْسًا تَقْلَقُ، وَقَلْبًا يَرْجُو. فَالْمَرِيضُ لَيْسَ عَرَضًا يُخْتَصَرُ فِي سَطْرٍ، وَلَا رَقْمًا يُدَوَّنُ فِي سِجِلٍّ؛ إِنَّهُ إِنْسَانٌ يَحْمِلُ وَجَعَهُ وَرَجَاءَهُ، وَيَضَعُ ثِقَتَهُ بَيْنَ يَدَيَّ؛ فَتُصْبِحُ هَذِهِ الثِّقَةُ أَمَانَةً تَسْتَوْجِبُ صِدْقَ الْقَوْلِ، وَدِقَّةَ النَّظَرِ، وَحُسْنَ الرِّعَايَةِ.
وَحِينَ أُسَمِّي هَذَا النَّهْجَ «الطِّبَّ الْأَصِيلَ»، فَإِنَّنِي أَقْصِدُ أَصَالَةَ الْعِنَايَةِ، وَنَقَاءَ الْمَقْصِدِ، وَوَثَاقَةَ الصِّلَةِ بَيْنَ الْمَعْرِفَةِ وَالرَّحْمَةِ. فَالْأَصَالَةُ عِنْدِي مَسْؤُولِيَّةٌ تُحْمَلُ، وَمَعْرِفَةٌ تُمَحَّصُ، وَأَمَانَةٌ تُؤَدَّى. وَمَا وَرِثْنَاهُ عَنِ السَّابِقِينَ يَسْتَحِقُّ مِنَّا احْتِرَامًا يَصْحَبُهُ تَحْقِيقٌ، وَتَقْدِيرًا يُلَازِمُهُ تَمْحِيصٌ؛ نَحْفَظُ مَا صَحَّ، وَنَسْتَجْلِي مَا الْتَبَسَ، وَنَتْرُكُ مَا ثَبَتَ خَطَؤُهُ، بِعَقْلٍ يَتَثَبَّتُ، وَضَمِيرٍ يَعْدِلُ، وَبَصِيرَةٍ لَا يَحْجُبُهَا التَّعَصُّبُ.
وَأُرِيدُ لِهَذِهِ الْأَصَالَةِ أَنْ تَتَجَلَّى فِي سُلُوكِي قَبْلَ كَلَامِي؛ فِي سُؤَالٍ أَطْرَحُهُ بِعِنَايَةٍ، وَشَكْوَى أُصْغِي إِلَيْهَا بِصَبْرٍ، وَقَرَارٍ أَتَّخِذُهُ بِتَرَوٍّ. فَلَيْسَ لِلِاسْمِ أَنْ يَمْنَحَ صَاحِبَهُ فَضِيلَةً لَمْ يَكْتَسِبْهَا بِعَمَلِهِ، وَلَا لِلِانْتِسَابِ إِلَى مَدْرَسَةٍ عِلَاجِيَّةٍ أَنْ يُعْفِيَهُ مِنَ الْمُسَاءَلَةِ. إِنَّ قِيمَةَ النَّهْجِ تَظْهَرُ فِي اسْتِقَامَةِ الْمُمَارَسَةِ، وَصِيَانَةِ الْحُقُوقِ، وَحُسْنِ الرِّعَايَةِ؛ وَبِهَا يَصْدُقُ الْقَوْلُ، وَتَرْسَخُ الثِّقَةُ.
لَقَدِ اخْتَرْتُ أَنْ يَكُونَ الْوَفَاءُ بِالْأَمَانَةِ مُقَدَّمًا عَلَى الرَّغْبَةِ فِي الْإِقْنَاعِ، وَأَنْ يَكُونَ خَوْفِي عَلَى الْمَرِيضِ أَقْوَى مِنْ حِرْصِي عَلَى إِثْبَاتِ رَأْيِي. فَمَا قِيمَةُ فَصَاحَةِ اللِّسَانِ إِذَا سَتَرَتْ نَقْصَ الْمَعْرِفَةِ؟ وَمَا شَرَفُ الْوَصْفَةِ إِذَا أَحَاطَتْ بِهَا وُعُودٌ لَا يَسْنُدُهَا دَلِيلٌ؟ إِنَّ الطَّمْأَنَةَ الَّتِي تُخْفِي الْحَقِيقَةَ قَدْ تَمْنَحُ الْمَرِيضَ رَاحَةَ لَحْظَةٍ، ثُمَّ تُثْقِلُهُ بِعَاقِبَةٍ كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَعْرِفَهَا، وَمِنْ وَاجِبِي أَنْ أُبَيِّنَهَا.
وَأُرِيدُ لِلْعِلْمِ فِي عَمَلِي أَنْ يَرْقَى بِالدِّقَّةِ، وَلِثِقَتِي بِنَفْسِي أَنْ تَنْضَبِطَ بِالتَّوَاضُعِ. فَالْمَعْرِفَةُ لَا تُقَاسُ بِكَثْرَةِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي نَحْفَظُهَا، وَلَا بِغَرَابَةِ الْمُصْطَلَحَاتِ الَّتِي نَسْتَعْمِلُهَا؛ إِنَّمَا تَتَجَلَّى فِي صِحَّةِ الْفَهْمِ، وَسَلَامَةِ الْحُكْمِ، وَدِقَّةِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ مَا نَعْلَمُهُ وَمَا نَظُنُّهُ. وَقَدْ تَكُونُ عِبَارَةُ لَا أَعْلَمُ، حِينَ تُقَالُ فِي مَوْضِعِهَا، أَصْدَقَ دَلَالَةً عَلَى الْأَمَانَةِ مِنْ جَوَابٍ بَلِيغٍ يَسْتُرُ الْجَهْلَ بِزِينَةِ الْبَيَانِ.
وَفِي النَّبَاتِ جَمَالٌ مَحْسُوسٌ يَأْسِرُنِي: رَائِحَةٌ تَتَصَاعَدُ، وَوَرَقَةٌ تَتَفَتَّحُ، وَبَذْرَةٌ تَسْتَيْقِظُ فِي سُكُونِ التُّرَابِ. لَكِنَّ الْحَوَاسَّ الَّتِي تُدْرِكُ هَذَا الْجَمَالَ لَا تَكْفِي وَحْدَهَا لِلْحُكْمِ عَلَى صَلَاحِيَّةِ النَّبَاتِ لِلْعِلَاجِ. هُنَا يَتَقَدَّمُ السُّؤَالُ عَلَى الْإِعْجَابِ، وَيَحْتَكِمُ الْمَيْلُ إِلَى الدَّلِيلِ: مَا الَّذِي ثَبَتَ مِنْ نَفْعِ هَذِهِ النَّبْتَةِ؟ وَمَا مَحَاذِيرُ اسْتِعْمَالِهَا؟ وَلِمَنْ تَصْلُحُ؟ وَمَتَى يَكُونُ الِامْتِنَاعُ عَنْ وَصْفِهَا أَدَقَّ عِلْمًا، وَأَصْدَقَ رِعَايَةً، وَأَوْفَى بِالْأَمَانَةِ؟
وَحِينَ أَنْظُرُ فِي وَصْفِ عُشْبَةٍ، أَحْرِصُ عَلَى التَّثَبُّتِ مِنْ هُوِيَّتِهَا وَجَوْدَتِهَا، وَمَعْرِفَةِ جُرْعَتِهَا وَحُدُودِ اسْتِعْمَالِهَا، وَمَا قَدْ تَتَدَاخَلُ مَعَهُ مِنْ أَدْوِيَةٍ. وَأَسْتَقْصِي مِنْ حَالِ الْمَرِيضِ مَا يَلْزَمُ لِتَقْدِيرِ مُلَاءَمَتِهَا لَهُ؛ فَالْوَصْفَةُ أَمَانَةٌ تَتَعَلَّقُ بِإِنْسَانٍ لَهُ ظُرُوفُهُ وَاحْتِيَاجَاتُهُ، وَتَارِيخُهُ الصِّحِّيُّ الَّذِي يَسْتَوْجِبُ الْعِنَايَةَ وَالتَّدْقِيقَ. وَقَدْ تَكْمُنُ الْمَضَرَّةُ فِي تَفْصِيلٍ دَقِيقٍ أَغْفَلْنَاهُ، أَوْ سُؤَالٍ ضَرُورِيٍّ لَمْ نَطْرَحْهُ؛ فَتَبْدَأُ صِيَانَةُ السَّلَامَةِ مِنْ حُسْنِ السُّؤَالِ، قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ مَرْحَلَةَ الْوَصْفِ.
وَلِذَلِكَ لَا أَقُولُ إِنَّ كُلَّ مَا أَنْبَتَتْهُ الْأَرْضُ مَأْمُونٌ، وَلَا إِنَّ كُلَّ مَا صَنَعَهُ الْإِنْسَانُ مُؤْذٍ؛ فَالْإِنْصَافُ يَمْنَعُنِي مِنْ تَعْمِيمٍ يَسْبِقُ الْبُرْهَانَ، وَالْأَمَانَةُ تَحْمِلُنِي عَلَى التَّثَبُّتِ قَبْلَ الْحُكْمِ. إِنَّمَا أَطْلُبُ عِلَاجًا تَرْجَحُ مَنَافِعُهُ الْمُتَوَقَّعَةُ عَلَى مَخَاطِرِهِ فِي الْحَالَةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَتَتَّضِحُ حُدُودُهُ وَمَحَاذِيرُهُ. وَمَحَبَّتِي لِلنَّبَاتِ تَزِيدُنِي حِرْصًا عَلَى تَحْرِّي صِحَّةِ مَا أَنْسِبُهُ إِلَيْهِ؛ فَكُلُّ دَعْوَى عِلَاجِيَّةٍ تَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ يُثْبِتُهَا، وَكُلُّ مَنْفَعَةٍ تُذْكَرُ يَجِبُ أَنْ تُذْكَرَ فِي حُدُودِ مَا ثَبَتَ مِنْهَا.
وَيُؤْلِمُنِي أَنْ تَتَحَوَّلَ مُعَانَاةُ الْإِنْسَانِ إِلَى فُرْصَةٍ لِلِاسْتِنْزَافِ، وَأَنْ يُقَاسَ نَجَاحُ الْمُعَالِجِ بِكَثْرَةِ مَا بَاعَ، وَأَنْ يُسْتَغَلَّ خَوْفُ الْمَرِيضِ عَلَى صِحَّتِهِ لِاسْتِدْرَاجِ مَالِهِ. لِذَلِكَ أَرْفُضُ كُلَّ تِجَارَةٍ تَتَغَذَّى عَلَى وَجَعِ النَّاسِ، فِي الْعِيَادَةِ أَوْ فِي مَتْجَرِ الْأَعْشَابِ. فَالْجَشَعُ يُحْسِنُ التَّخَفِّيَ فِي أَثْوَابٍ كَثِيرَةٍ، وَالنَّزَاهَةُ يَكْشِفُهَا الْمَوْقِفُ حِينَ تَتَعَارَضُ الْمَنْفَعَةُ الشَّخْصِيَّةُ مَعَ الْوَاجِبِ؛ هُنَاكَ يُمْتَحَنُ الضَّمِيرُ، وَتَظْهَرُ حَقِيقَةُ الْأَمَانَةِ.
إِنَّنِي أُرِيدُ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَزْدَادَ فَهْمًا لِحَالِهِ، وَوَعْيًا بِخِيَارَاتِهِ، وَقُدْرَةً عَلَى الْمُشَارَكَةِ فِي اتِّخَاذِ الْقَرَارِ الْمُتَعَلِّقِ بِعِلَاجِهِ. وَلَا أَعُدُّ كَثْرَةَ عَوْدَتِهِ إِلَيَّ، فِي ذَاتِهَا، دَلِيلًا عَلَى النَّجَاحِ؛ فَقَدْ يَتَجَلَّى النَّجَاحُ فِي تَحَسُّنِ حَالِهِ، وَوُضُوحِ خُطَّتِهِ الْعِلَاجِيَّةِ، وَاسْتِغْنَائِهِ عَمَّا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ. وَأَرَى صَوْنَ كَرَامَتِهِ وَاجِبًا يُلَازِمُ كُلَّ مَرْحَلَةٍ مِنَ الْمُعَالَجَةِ، مِنْ أَوَّلِ سُؤَالٍ إِلَى آخِرِ تَوْجِيهٍ؛ فَيَظَلُّ صَوْتُهُ مَسْمُوعًا، وَحَقُّهُ مَحْفُوظًا، وَقَرَارُهُ قَائِمًا عَلَى الْفَهْمِ.
وَأَرْفُضُ أَنْ يَكُونَ جَسَدُهُ سَاحَةً لِارْتِجَالٍ غَيْرِ مَسْؤُولٍ، أَوْ وَسِيلَةً لِصِنَاعَةِ شُهْرَةٍ زَائِفَةٍ. وَأُمَيِّزُ بَيْنَ هَذَا الْعَبَثِ وَالْبَحْثِ الْعِلْمِيِّ الْمُنْضَبِطِ، الَّذِي تَحْكُمُهُ رَقَابَةٌ وَضَوَابِطُ أَخْلَاقِيَّةٌ، وَتَلْزَمُ فِيهِ الْمُوَافَقَةُ الْمُسْتَنِيرَةُ. فَمِنْ حَقِّ الْمَرِيضِ أَنْ يَعْرِفَ طَبِيعَةَ مَا يُقْتَرَحُ عَلَيْهِ، وَمَا يُرْجَى مِنْ نَفْعِهِ، وَمَا يُحِيطُ بِهِ مِنْ مَخَاطِرَ وَأَوْجُهِ عَدَمِ يَقِينٍ، قَبْلَ أَنْ يَمْنَحَ مُوَافَقَتَهُ؛ لِتَكُونَ مُوَافَقَةً يُنِيرُهَا الْعِلْمُ، وَيَصُونُهَا الْوَعْيُ، وَتَصْدُرُ عَنْ إِرَادَةٍ حُرَّةٍ.
وَيَتَجَلَّى صِدْقُ الْخَوْفِ عَلَى الْمَرِيضِ حِينَ تَتَعَارَضُ مَصْلَحَتُهُ مَعَ اعْتِزَازِي بِرَأْيِي؛ فَهُنَاكَ تُخْتَبَرُ الْأَمَانَةُ، وَيَتَبَيَّنُ صِدْقُ الْمَقْصِدِ. فَإِذَا احْتَاجَ إِلَى فَحْصٍ وَجَّهْتُهُ إِلَيْهِ، وَإِذَا احْتَاجَ إِلَى مُتَخَصِّصٍ دَلَلْتُهُ عَلَيْهِ، وَإِذَا اسْتَلْزَمَتْ حَالَتُهُ تَدَخُّلًا عَاجِلًا لَمْ أَجْعَلْ قَنَاعَتِي عَائِقًا يُؤَخِّرُ وُصُولَهُ إِلَى الرِّعَايَةِ اللَّازِمَةِ. فَمَا اخْتَرْتُ النَّبَاتَ لِيَضِيقَ بِهِ أُفُقِي، وَإِنَّمَا اخْتَرْتُهُ مَجَالًا لِلْمَعْرِفَةِ وَالْخِدْمَةِ؛ وَمَصْلَحَةُ الْمَرِيضِ أَوْلَى بِالرِّعَايَةِ مِنْ رَغْبَتِي فِي الِانْتِصَارِ لِرَأْيِي.
وَلَسْتُ أَرَى الْعَدْلَ فِي أَنْ أَنْقُلَ الْإِنْسَانَ مِنْ تَعَصُّبٍ إِلَى تَعَصُّبٍ، أَوْ أَنْ أَهْدِمَ ثِقَتَهُ بِكُلِّ دَوَاءٍ لِأَبْنِيَ ثِقَتَهُ بِوَصْفَتِي. فَالثِّقَةُ الَّتِي تَرْفَعُهَا الْمُبَالَغَةُ يُزَعْزِعُهَا انْكِشَافُ الْحَقِيقَةِ، وَالطَّمْأَنَةُ الَّتِي يَسْنُدُهَا الصِّدْقُ تُعِينُ صَاحِبَهَا عَلَى حُسْنِ الِاخْتِيَارِ. وَأُرِيدُ لِكَلَامِي أَنْ يَمْنَحَ الْمَرِيضَ بَصِيرَةً يَعْرِفُ بِهَا حُدُودَ الْعِلَاجِ وَمَحَاذِيرَهُ، وَيُدْرِكُ أَنَّ تَغْيِيرَ عِلَاجِهِ الْمَوْصُوفِ، أَوْ إِيقَافَهُ، يَسْتَلْزِمُ مُرَاجَعَةً طِبِّيَّةً مَسْؤُولَةً تُرَاعِي حَالَهُ وَتَصُونُ سَلَامَتَهُ.
إِنَّ مَحَبَّتِي لِلْعِلَاجِ النَّبَاتِيِّ تُلْزِمُنِي بِمَزِيدٍ مِنَ التَّدْقِيقِ؛ فَالْمُحِبُّ الصَّادِقُ يَصُونُ مَا يُحِبُّ مِنَ الدَّعَاوَى الَّتِي لَا يَسْنُدُهَا دَلِيلٌ، وَيَحْمِيهِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ الَّتِي تَرْفَعُهُ سَاعَةً ثُمَّ تُسْقِطُهُ طَوِيلًا. وَفَائِدَةٌ وَاحِدَةٌ يُثْبِتُهَا الْبُرْهَانُ، وَتُذْكَرُ فِي حُدُودِهَا، أَجْدَى مِنْ حِكَايَاتٍ تُنْسَجُ حَوْلَهَا الْوُعُودُ حَتَّى تَطْغَى عَلَى الْحَقِيقَةِ. فَالْمَعْرِفَةُ تَنْمُو بِالدِّقَّةِ، وَيَشْتَدُّ عُودُهَا بِالْمُرَاجَعَةِ، وَتَتَأَكَّدُ مَتَانَتُهَا حِينَ تَخْضَعُ لِلسُّؤَالِ وَالتَّمْحِيصِ.
وَأُحِبُّ أَنْ تَكُونَ الْمُعَالَجَةُ حِوَارًا تَتَّسِعُ فِيهِ مَسَاحَةُ الْإِصْغَاءِ؛ يَسْمَعُ فِيهِ الْمَرِيضُ تَفْسِيرًا يَفْهَمُهُ، وَيَسْأَلُ دُونَ خَجَلٍ، وَيَعْتَرِضُ دُونَ خَوْفٍ. فَالْهَيْبَةُ الَّتِي أَرْجُوهَا تَنْبَعُ مِنْ وُضُوحِ الْمَعْرِفَةِ، وَثَبَاتِ الْخُلُقِ، وَصِدْقِ الْمُعَامَلَةِ. وَأَرَى فِي الصَّبْرِ عَلَى أَسْئِلَةِ الْمَرِيضِ احْتِرَامًا لِعَقْلِهِ، وَفِي شَرْحِ حُدُودِ الْعِلَاجِ صِيَانَةً لِثِقَتِهِ، وَفِي الْإِصْغَاءِ إِلَى مَخَاوِفِهِ وَفَاءً بِحَقِّهِ؛ فَيَجِدُ فِي الْمُعَالَجَةِ عِلْمًا يُرْشِدُهُ، وَرِفْقًا يُؤْنِسُهُ، وَأَمَانَةً تَحْفَظُ كَرَامَتَهُ.
وَفِي الصُّورَةِ الَّتِي أَحْمِلُهَا لِهَذَا الطَّرِيقِ، أَرَى الْعِلْمَ ضَوْءًا، وَالرَّحْمَةَ دِفْئًا، وَالضَّمِيرَ مِيزَانًا؛ فَإِذَا انْفَصَلَ الضَّوْءُ عَنِ الدِّفْءِ صَارَتِ الْمَعْرِفَةُ بَارِدَةً، وَإِذَا انْفَصَلَ الدِّفْءُ عَنِ الضَّوْءِ صَارَتِ الْعَاطِفَةُ عَمْيَاءَ، وَإِذَا غَابَ الْمِيزَانُ اخْتَلَّ الْحُكْمُ. وَأَنَا أَطْلُبُ أَنْ تَتَآلَفَ هَذِهِ الْمَعَانِي فِي عَمَلِي: فَيَتَثَبَّتَ الْعَقْلُ، وَيَرْفُقَ الْقَلْبُ، وَيَصْدُقَ اللِّسَانُ، وَتَهْتَدِيَ الْيَدُ إِلَى مَوْضِعِ التَّدَخُّلِ، وَتَعْرِفَ مَتَى يَكُونُ كَفُّهَا عَنْهُ أَوْجَبَ وَأَحْكَمَ.
وَقَدْ يَطْلُبُ السُّوقُ عِبَارَةً بَرَّاقَةً، وَأَطْلُبُ أَنَا كَلِمَةً أَمِينَةً؛ وَقَدْ يَسْتَعْجِلُ النَّاسُ وَعْدًا، وَأَرَى أَنَّ التَّرَوِّيَ أَحْيَانًا أَصْدَقُ وُجُوهِ الرَّحْمَةِ. فَلَا أَعِدُ بِمَا لَا يَسْنُدُهُ الْعِلْمُ، وَلَا أُغْلِقُ نَافِذَةَ الرَّجَاءِ حَيْثُ يَقُومُ لَهُ دَلِيلٌ. أَضَعُ أَمَامَ الْمَرِيضِ مَا أَعْرِفُهُ بِوُضُوحٍ، وَأُبَيِّنُ لَهُ حُدُودَ مَا أَعْرِفُ، وَأَصُونُ حَقَّهُ فِي الِاخْتِيَارِ؛ وَأُرَاجِعُ اجْتِهَادِي، وَأُحَاسِبُ نَفْسِي، لِيَظَلَّ قَوْلِي عَلَى قَدْرِ عِلْمِي، وَعَمَلِي عَلَى قَدْرِ أَمَانَتِي.
لِهَذَا اخْتَرْتُ التَّدَاوِيَ بِالْأَعْشَابِ: مَجَالًا أَخْدُمُ فِيهِ الْإِنْسَانَ بِمَا يَثْبُتُ مِنْ مَنَافِعِهَا، مَعَ مُرَاعَاةِ مَحَاذِيرِهَا، وَأَحْفَظُ فِيهِ لِلْمُعَالَجَةِ وَجْهَهَا الرَّحِيمَ. وَأُرِيدُ لِأَصَالَتِي أَنْ تُعْرَفَ بِأَمَانَتِي، وَلِمَعْرِفَتِي أَنْ تَظْهَرَ فِي دِقَّتِي، وَلِمَحَبَّتِي لِلْمَرِيضِ أَنْ تَتَجَلَّى فِي صِيَانَةِ حَقِّهِ وَكَرَامَتِهِ. وَإِذَا تَعَارَضَ التَّمَسُّكُ بِقَنَاعَتِي مَعَ مُقْتَضَيَاتِ سَلَامَتِهِ، قَدَّمْتُ سَلَامَتَهُ وَرَاجَعْتُ قَنَاعَتِي؛ فَهَذِهِ أَصَالَةُ الطِّبِّ كَمَا أَفْهَمُهَا، وَأَمَانَتُهُ كَمَا أَرْجُو أَنْ أُؤَدِّيَهَا.