صِحَّةُ الْغُدَّةِ الدَّرَقِيَّةِ: غِذَاءٌ مُتَوَازِنٌ وَعَادَاتٌ يَوْمِيَّةٌ وَاعِيَةٌ
إِعْدَادُ الدُّكْتُورِ يُوسُفَ أَحْمَدَ الْمِيعَارِيِّ
تُؤَدِّي الْغُدَّةُ الدَّرَقِيَّةُ دَوْرًا أَسَاسِيًّا فِي تَنْظِيمِ عَمَلِيَّاتِ التَّمْثِيلِ الْغِذَائِيِّ، وَتُسْهِمُ هُرْمُونَاتُهَا فِي ضَبْطِ اسْتِهْلَاكِ الطَّاقَةِ وَحَرَارَةِ الْجِسْمِ وَعَمَلِ الْقَلْبِ وَالْأَمْعَاءِ وَالْجِهَازِ الْعَصَبِيِّ، كَمَا تَرْتَبِطُ بِالصِّحَّةِ الْإِنْجَابِيَّةِ. وَمِنْ هُنَا تَأْتِي أَهَمِّيَّةُ الْعِنَايَةِ بِهَا بِغِذَاءٍ مُتَوَازِنٍ وَعَادَاتٍ مُنَاسِبَةٍ؛ فَالْغَايَةُ هِيَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى وَظِيفَتِهَا الطَّبِيعِيَّةِ، لَا زِيَادَةُ نَشَاطِهَا دُونَ حَاجَةٍ.
الْغِذَاءُ الْيَوْمِيُّ
وَتَبْدَأُ الْعِنَايَةُ الصَّبَاحِيَّةُ بِوَجْبَةٍ مُتَوَازِنَةٍ تُنَاسِبُ حَالَةَ الشَّخْصِ وَاحْتِيَاجَاتِهِ. وَيُمْكِنُ أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ مَصْدَرٍ لِلْبُرُوتِينِ، وَحُبُوبٍ كَامِلَةٍ، وَحِصَّةٍ مِنَ الْفَاكِهَةِ أَوِ الْخَضْرَوَاتِ، مَعَ شُرْبِ الْمَاءِ. وَتُسْهِمُ هَذِهِ الْعَادَةُ فِي دَعْمِ التَّغْذِيَةِ الْعَامَّةِ، وَتُسَاعِدُ عَلَى بِنَاءِ نِظَامٍ مُنْتَظِمٍ، دُونَ اعْتِبَارِ الْإِفْطَارِ وَحْدَهُ عِلَاجًا لِاضْطِرَابَاتِ الْغُدَّةِ.
وَتُعَدُّ مُنْتَجَاتُ الْأَلْبَانِ، مِثْلُ الْحَلِيبِ وَالزَّبَادِي وَالْجُبْنِ، مِنَ الْمَصَادِرِ الْغِذَائِيَّةِ لِلْيُودِ، وَتُوَفِّرُ كَذَلِكَ الْبُرُوتِينَ وَمَعَادِنَ مُتَعَدِّدَةً. وَالْيُودُ عُنْصُرٌ ضَرُورِيٌّ لِصِنَاعَةِ هُرْمُونَاتِ الْغُدَّةِ الدَّرَقِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّ مِقْدَارَهُ يَخْتَلِفُ بَيْنَ الْمُنْتَجَاتِ. وَيُخْتَارُ مِنْهَا مَا يُنَاسِبُ الْحَاجَةَ وَالْقُدْرَةَ عَلَى تَحَمُّلِهَا، مَعَ مُرَاعَاةِ كَمِّيَّاتِ السُّكَّرِ الْمُضَافِ وَالدُّهُونِ وَالْمِلْحِ.
وَيُسْهِمُ الْبَيْضُ وَالْأَسْمَاكُ فِي تَوْفِيرِ عَنَاصِرَ غِذَائِيَّةٍ نَافِعَةٍ، مِنْهَا الْيُودُ وَالسِّيلِينِيُومُ، بِمَقَادِيرَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّوْعِ وَالْكَمِّيَّةِ. وَيُوَفِّرُ بَيَاضُ الْبَيْضِ الْبُرُوتِينَ، وَلَا يُعَدُّ وُجُودُ الْبُرُوتِينِ فِيهِ سَبَبًا لِإِضْعَافِ الْغُدَّةِ. أَمَّا الْمِلْحُ الْمُدَعَّمُ بِالْيُودِ، فَيُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهُ ضِمْنَ الْكَمِّيَّةِ الْمُعْتَدِلَةِ الْمُوصَى بِهَا، دُونَ زِيَادَةِ الْمِلْحِ بِقَصْدِ تَنْشِيطِهَا.
وَلِلسِّيلِينِيُومِ وَالزِّنْكِ أَدْوَارٌ مُهِمَّةٌ فِي وَظَائِفِ الْجِسْمِ وَصِحَّتِهِ، وَيُمْكِنُ الْحُصُولُ عَلَيْهِمَا مِنْ غِذَاءٍ مُتَنَوِّعٍ يَشْمَلُ الْأَسْمَاكَ وَالْبَيْضَ وَاللُّحُومَ وَالْبُقُولَ وَالْمُكَسَّرَاتِ. أَمَّا الْمُكَمِّلَاتُ، فَيَكُونُ اسْتِعْمَالُهَا بَعْدَ مُرَاجَعَةِ طَبِيبٍ ثِقَةٍ لِتَقْدِيرِ الْحَاجَةِ وَالْجُرْعَةِ؛ فَزِيَادَةُ الْعُنْصُرِ عَنِ الْحَاجَةِ لَا تَعْنِي زِيَادَةَ الْفَائِدَةِ، وَقَدْ تُسَبِّبُ الضَّرَرَ.
أَطْعِمَةٌ يُسَاءُ فَهْمُهَا
وَتَدْخُلُ الْخَضْرَوَاتُ الصَّلِيبِيَّةُ، مِثْلُ الْقَرْنَبِيطِ وَالْبُرُوكُلِي وَالْكُرُنْبِ، ضِمْنَ الْغِذَاءِ الْمُتَوَازِنِ. وَلَا يَسْتَدْعِي تَنَاوُلُهَا بِكَمِّيَّاتٍ غِذَائِيَّةٍ مُعْتَادَةٍ مَنْعَهَا عُمُومًا، وَخَاصَّةً بَعْدَ الطَّهْيِ وَمَعَ كِفَايَةِ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْإِنْسَانُ مِنَ الْيُودِ. وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ عَنِ الْإِفْرَاطِ الْمُسْتَمِرِّ فِي تَنَاوُلِ كَمِّيَّاتٍ كَبِيرَةٍ جِدًّا مِنْهَا نَيِّئَةً، وَخَاصَّةً مَعَ نَقْصِ الْيُودِ.
وَكَذَلِكَ الشُّوفَانُ وَالْمُكَسَّرَاتُ غَيْرُ الْمُمَلَّحَةِ وَبُذُورُ الشِّيَا وَالْكَتَّانِ، فَهِيَ أَغْذِيَةٌ تُوَفِّرُ الْأَلْيَافَ وَعَنَاصِرَ نَافِعَةً، وَلَا يَصِحُّ تَصْنِيفُهَا جَمِيعًا ضِمْنَ أَطْعِمَةٍ تُثَبِّطُ الْغُدَّةَ عِنْدَ تَنَاوُلِهَا بِكَمِّيَّاتٍ مُعْتَادَةٍ. وَيَنْطَبِقُ ذَلِكَ عَلَى التُّوتِ وَالْمَوْزِ وَالْبُرْتُقَالِ وَالطَّمَاطِمِ؛ فَالتَّنَوُّعُ وَالِاعْتِدَالُ أَسَاسُ الِانْتِفَاعِ، مَعَ مُرَاعَاةِ احْتِيَاجَاتِ كُلِّ شَخْصٍ.
وَلَا تُعَدُّ اللُّحُومُ الْحَمْرَاءُ وَلَحْمُ الضَّأْنِ أَطْعِمَةً تُخْفِضُ نَشَاطَ الْغُدَّةِ بِذَاتِهَا؛ وَيَتَعَلَّقُ حُسْنُ اخْتِيَارِهَا بِالْكَمِّيَّةِ وَمُحْتَوَى الدُّهُونِ وَطَرِيقَةِ التَّحْضِيرِ. وَأَمَّا الْعَسَلُ وَالشُّوكُولَاتَةُ وَالْمَشْرُوبَاتُ الْغَازِيَّةُ، فَتُرَاعَى فِيهَا كَمِّيَّاتُ السُّكَّرِيَّاتِ وَالسُّعْرَاتِ الْحَرَارِيَّةِ، وَلَا تُتَّخَذُ وَسِيلَةً لِتَنْظِيمِ الْهُرْمُونَاتِ. كَمَا أَنَّ الْمَشْرُوبَاتِ الْخَالِيَةَ مِنَ الْكَافِيِينِ لَا تُضْعِفُ الْغُدَّةَ لِخُلُوِّهَا مِنْهُ.
وَالْقَهْوَةُ وَالشَّايُ لَيْسَا عِلَاجًا لِخُمُولِ الْغُدَّةِ، وَقَدْ يَزِيدُ الْكَافِيِينُ الْخَفَقَانَ وَالتَّوَتُّرَ لَدَى بَعْضِ الْمُصَابِينَ بِفَرْطِ نَشَاطِهَا. وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يَتَنَاوَلُ دَوَاءً لِتَعْوِيضِ هُرْمُونِ الْغُدَّةِ، فَإِنَّ تَوْقِيتَ تَنَاوُلِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الطَّعَامِ وَالْمَشْرُوبَاتِ مُهِمٌّ لِامْتِصَاصِهِ؛ لِذَلِكَ تُتَّبَعُ تَعْلِيمَاتُ الْمُسْتَحْضَرِ وَتَوْجِيهَاتُ طَبِيبٍ ثِقَةٍ.
خُمُولٌ أَمْ فَرْطُ نَشَاطٍ؟
وَمِنَ الْأُمُورِ الْأَسَاسِيَّةِ التَّمْيِيزُ بَيْنَ خُمُولِ الْغُدَّةِ وَفَرْطِ نَشَاطِهَا؛ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا تَقْيِيمُهُ وَعِلَاجُهُ. وَلَا تُعَمَّمُ حِمْيَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى جَمِيعِ الْمُصَابِينَ، وَلَا تُسْتَعْمَلُ مُكَمِّلَاتُ الْيُودِ تِلْقَائِيًّا لِكُلِّ مَنْ يُعَانِي اضْطِرَابًا دَرَقِيًّا. فَالْمُتَابَعَةُ وَالْفُحُوصُ تُحَدِّدُ الْحَاجَةَ، وَتُوَجِّهُ الْقَرَارَ، وَتَحْمِي مِنَ الِاجْتِهَادِ الْغِذَائِيِّ غَيْرِ الْمُنَاسِبِ.
وَتَكْتَمِلُ الْعِنَايَةُ بِالنَّوْمِ الْمُنْتَظِمِ، وَالنَّشَاطِ الْبَدَنِيِّ الْمُنَاسِبِ، وَالِالْتِزَامِ بِالْمُرَاجَعَاتِ وَالْفُحُوصِ الْمَطْلُوبَةِ. وَيُمْكِنُ تَدْوِينُ الْأَعْرَاضِ وَأَسْمَاءِ الْأَدْوِيَةِ وَالْمُكَمِّلَاتِ لِمُنَاقَشَتِهَا مَعَ طَبِيبٍ ثِقَةٍ. فَصِحَّةُ الْغُدَّةِ تَسْتَفِيدُ مِنْ خُطَّةٍ مُتَوَازِنَةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ الْغِذَاءِ الْكَافِي وَالْعِلَاجِ الْمُنَاسِبِ وَالْمُتَابَعَةِ الْمُنْتَظِمَةِ؛ وَبِهَذَا يَكُونُ الِاهْتِمَامُ بِهَا عَمَلًا وَاعِيًا يُرَاعِي الْحَاجَةَ وَيَحْفَظُ الصِّحَّةَ.