مُحَاضَرَةٌ عِلْمِيَّةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا
الْمُخَدِّرَاتُ وَالْمُسْكِرَاتُ: خَطَرٌ عَلَى الْفَرْدِ وَالْأُسْرَةِ وَالْمُجْتَمَعِ
إِفَادَةُ الدُّكْتُورِ يُوسُفَ أَحْمَدَ الْمِيعَارِيِّ
إِنَّ تَعَاطِيَ الْمُخَدِّرَاتِ وَالْمُسْكِرَاتِ لَيْسَ شَأْنًا فَرْدِيًّا تَنْحَصِرُ عَوَاقِبُهُ فِي صَاحِبِهِ، وَلَا سُلُوكًا تَقِفُ آثَارُهُ عِنْدَ حُدُودِ حَيَاتِهِ؛ بَلْ هُوَ خَطَرٌ يَمْتَدُّ مِنَ الْفَرْدِ إِلَى الْأُسْرَةِ، وَمِنَ الْأُسْرَةِ إِلَى الْمُجْتَمَعِ، فَيَمَسُّ الصِّحَّةَ، وَيُضْعِفُ الرَّوَابِطَ، وَيُثْقِلُ الْمَوَارِدَ، وَيُهَدِّدُ اسْتِقْرَارَ الْحَيَاةِ. وَمَنْ يَظُنُّ أَنَّ ضَرَرَهُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمُتَعَاطِي، فَقَدْ نَظَرَ إِلَى جُزْءٍ مِنَ الْمَشْهَدِ وَغَفَلَ عَنْ بَقِيَّتِهِ؛ فَمَا يُصِيبُ الْإِنْسَانَ فِي صِحَّتِهِ وَعَلَاقَاتِهِ وَعَمَلِهِ، تَنْعَكِسُ آثَارُهُ عَلَى مَنْ حَوْلَهُ، وَتَتَّسِعُ دَائِرَةُ أَضْرَارِهِ بِقَدْرِ اتِّسَاعِ صِلَاتِهِ بِالْآخَرِينَ.
وَتَبْدَأُ خُطُورَةُ التَّعَاطِي مِنْ تَهْدِيدِ صِحَّةِ الْإِنْسَانِ؛ فَالْمَوَادُّ الْمُخَدِّرَةُ وَالْمُسْكِرَاتُ قَدْ تُؤَدِّي إِلَى أَمْرَاضٍ مُزْمِنَةٍ وَخَطِيرَةٍ، مِنْهَا السَّرَطَانُ وَأَمْرَاضُ الْقَلْبِ وَالْكَبِدِ، كَمَا قَدْ تُضْعِفُ الْجِهَازَ الْمَنَاعِيَّ. وَلَا تَقْتَصِرُ تَبِعَاتُ هَذِهِ الْأَمْرَاضِ عَلَى مَا يَتَحَمَّلُهُ الْمُصَابُ مِنْ مُعَانَاةٍ، بَلْ تَمْتَدُّ إِلَى النِّظَامِ الصِّحِّيِّ الَّذِي يَتَحَمَّلُ أَعْبَاءَ الْعِلَاجِ وَالرِّعَايَةِ. وَمَعَ تَزَايُدِ هَذِهِ الْأَعْبَاءِ، يَشْتَدُّ الضَّغْطُ عَلَى الْمَوَارِدِ الطِّبِّيَّةِ، وَتَتَأَثَّرُ جَوْدَةُ الْخَدَمَاتِ الْمُتَاحَةِ لِلْمَرْضَى الْآخَرِينَ؛ فَيَتَجَاوَزُ الضَّرَرُ جَسَدًا وَاحِدًا، وَيَمَسُّ مَنْظُومَةً يَحْتَاجُ إِلَيْهَا الْجَمِيعُ.
وَفِي الْأُسْرَةِ، قَدْ يَكُونُ التَّعَاطِي سَبَبًا لِتَفَكُّكِ الْعَلَاقَاتِ وَاضْطِرَابِ الْحَيَاةِ الْمُشْتَرَكَةِ؛ إِذْ تُضْعِفُ النِّزَاعَاتُ النَّاتِجَةُ عَنْهُ الرَّوَابِطَ بَيْنَ أَفْرَادِهَا، وَتُهَيِّئُ بِيئَةً يَسُودُهَا التَّوَتُّرُ وَالْمُعَانَاةُ. فَالْأُسْرَةُ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى التَّفَاهُمِ وَالِاسْتِقْرَارِ تَجِدُ نَفْسَهَا أَمَامَ خِلَافَاتٍ تُرْهِقُ أَفْرَادَهَا، وَتَنْعَكِسُ سَلْبًا عَلَى عَلَاقَاتِهِمْ. وَهَكَذَا لَا تَبْقَى الْمُعَانَاةُ حَبِيسَةَ صَاحِبِهَا، بَلْ تَدْخُلُ فِي تَفَاصِيلِ الْحَيَاةِ الْأُسَرِيَّةِ، وَيَتَقَاسَمُ أَعْبَاءَهَا الْجَمِيعُ.
وَتَتَّسِعُ هَذِهِ الْآثَارُ لِتَشْمَلَ الْعَلَاقَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةَ وَأَمْنَ الْمُجْتَمَعِ؛ فَالتَّعَاطِي يَرْتَبِطُ بِزِيَادَةِ مُعَدَّلَاتِ الْجَرِيمَةِ وَالْعُنْفِ، وَيُسْهِمُ فِي ارْتِفَاعِ حَوَادِثِ السَّرِقَةِ وَالِاعْتِدَاءِ. وَتُضَافُ إِلَى ذَلِكَ حَوَادِثُ السَّيْرِ النَّاجِمَةُ عَنِ الْقِيَادَةِ تَحْتَ تَأْثِيرِ الْمُخَدِّرَاتِ وَالْمُسْكِرَاتِ، حَيْثُ يَتَعَدَّى الْخَطَرُ مَنْ يَقُودُ إِلَى مَنْ يُشَارِكُهُ الطَّرِيقَ. وَهُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْحَدِيثَ عَنْ خِيَارٍ شَخْصِيٍّ لَا يُلْغِي مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ أَذًى يَطَالُ الْآخَرِينَ.
أَمَّا عَلَى الصَّعِيدِ الِاقْتِصَادِيِّ، فَإِنَّ التَّعَاطِيَ يُقَلِّلُ مِنْ إِنْتَاجِيَّةِ الْأَفْرَادِ فِي الْعَمَلِ، وَيَنْعَكِسُ سَلْبًا عَلَى أَدَاءِ الشَّرِكَاتِ وَالْأَعْمَالِ. وَحِينَ تَضْعُفُ إِنْتَاجِيَّةُ الْفَرْدِ، يَتَأَثَّرُ بِذَلِكَ الْعَمَلُ الَّذِي يُسْهِمُ فِيهِ؛ فَالْخَسَارَةُ لَا تَقِفُ عِنْدَ جُهْدٍ فَرْدِيٍّ، بَلْ تَمْتَدُّ إِلَى الْأَدَاءِ الْجَمَاعِيِّ. وَإِلَى جَانِبِ ذَلِكَ، تَتَحَمَّلُ الْحُكُومَاتُ وَالْمُجْتَمَعَاتُ تَكَالِيفَ التَّوْعِيَةِ وَالْعِلَاجِ وَإِعَادَةِ التَّأْهِيلِ، فَتَزْدَادُ الْأَعْبَاءُ عَلَى مِيزَانِيَّاتِهَا، وَتَتَعَدَّدُ وُجُوهُ الْإِنْفَاقِ لِمُوَاجَهَةِ هَذَا الْخَطَرِ وَمُعَالَجَةِ آثَارِهِ.
وَأَمَامَ هَذِهِ الْأَضْرَارِ الْمُتَدَاخِلَةِ، تَغْدُو مُوَاجَهَةُ التَّعَاطِي مَسْؤُولِيَّةً مُجْتَمَعِيَّةً تَسْتَلْزِمُ تَكَاتُفَ الْجُهُودِ وَتَكَامُلَهَا. وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِتَعْزِيزِ التَّوْعِيَةِ وَالتَّثْقِيفِ بِمَخَاطِرِهِ، وَتَقْدِيمِ الدَّعْمِ وَالْمُسَاعَدَةِ لِمَنْ يُعَانُونَ مِنْ مُشْكِلَاتِهِ، وَتَحْسِينِ الظُّرُوفِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالِاقْتِصَادِيَّةِ الَّتِي قَدْ تَدْفَعُ إِلَيْهِ. فَالتَّوْعِيَةُ تُبَيِّنُ الْخَطَرَ، وَالْمُسَاعَدَةُ تُسَانِدُ الْمُصَابَ، وَتَحْسِينُ الظُّرُوفِ يُعَالِجُ بَعْضَ مَا يُمَهِّدُ لِلْمُشْكِلَةِ؛ وَبِاجْتِمَاعِ هَذِهِ الْجُهُودِ تَقْوَى الْمُوَاجَهَةُ وَتَتَّسِعُ فُرَصُ الْوِقَايَةِ.
إِنَّ الْمُجْتَمَعَ السَّلِيمَ هُوَ الَّذِي يُدْرِكُ قِيمَةَ الْوِقَايَةِ وَيَجْعَلُهَا عَمَلًا مُتَّصِلًا، وَيَسْعَى إِلَى بِنَاءِ بِيئَةٍ خَالِيَةٍ مِنَ التَّعَاطِي، يَجِدُ فِيهَا أَفْرَادُهُ مَا يُعِينُهُمْ عَلَى التَّمَتُّعِ بِصِحَّةٍ جَيِّدَةٍ وَحَيَاةٍ كَرِيمَةٍ. فَحِمَايَةُ الْإِنْسَانِ حِمَايَةٌ لِأُسْرَتِهِ، وَسَلَامَةُ الْأُسْرَةِ دَعْمٌ لِاسْتِقْرَارِ مُجْتَمَعِهَا، وَبِتَكَاتُفِ الْجَمِيعِ يُصَانُ الْحَاضِرُ وَيُبْنَى مُسْتَقْبَلٌ أَكْثَرُ إِشْرَاقًا.
فَيَا أَيُّهَا الْفَرْدُ، صُنْ صِحَّتَكَ، وَاطْلُبِ الْمُسَاعَدَةَ إِذَا احْتَجْتَ إِلَيْهَا؛ فَطَلَبُهَا شَجَاعَةٌ وَمَسْؤُولِيَّةٌ. وَيَا أَيَّتُهَا الْأُسَرُ، أَصْغُوا إِلَى أَبْنَائِكُمْ، وَاجْمَعُوا بَيْنَ الْحَزْمِ وَالرَّحْمَةِ، وَاجْعَلُوا الْحِوَارَ بَابًا لِلْوِقَايَةِ وَالْمُسَانَدَةِ. وَلْيَتَعَاوَنِ الْمُجْتَمَعُ عَلَى التَّوْعِيَةِ وَدَعْمِ الْعِلَاجِ، دُونَ تَشْهِيرٍ أَوْ تَحْقِيرٍ؛ فَالْمُصَابُ يَحْتَاجُ إِلَى يَدٍ تُعِينُهُ، وَكَلِمَةٍ تَحْفَظُ كَرَامَتَهُ، وَفُرْصَةٍ تُسَاعِدُهُ عَلَى اسْتِعَادَةِ اسْتِقْرَارِهِ وَبِنَاءِ مُسْتَقْبَلِهِ.
إِعْدَادُ: مَرْكَزُ RC