الْأَعْشَابُ بَيْنَ الْوَصْفَةِ وَالدَّلِيلِ
الْأَخْلَاطُ وَطَبِيعَةُ الْجِسْمِ أَمَامَ الْحَالَةِ الْمَرَضِيَّةِ
يَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ: إِنَّنَا نُعَالِجُ بِحَسَبِ الْأَخْلَاطِ وَطَبِيعَةِ الْجِسْمِ؛ فَمَا الْأَخْلَاطُ؟ وَمَا الْمَقْصُودُ بِالْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ وَالرُّطُوبَةِ وَالْيُبُوسَةِ؟ وَإِذَا قِيلَ إِنَّ طَعَامًا أَوْ شَرَابًا يُنَاسِبُ طَبِيعَةَ إِنْسَانٍ، وَكَانَ مُصَابًا بِالسُّكَّرِيِّ أَوْ بِارْتِفَاعِ ضَغْطِ الدَّمِ، فَهَلْ نَأْخُذُ بِهَذَا التَّصْنِيفِ، أَمْ نُقَدِّمُ مُقْتَضَيَاتِ حَالَتِهِ الْمَرَضِيَّةِ؟
الْجَوَابُ
الْأَخْلَاطُ مَفْهُومٌ مِنْ مَفَاهِيمِ الطِّبِّ الْقَدِيمِ، قَامَ عَلَى تَصَوُّرٍ يَرْبِطُ الصِّحَّةَ بِتَوَازُنِ أَرْبَعَةِ أَخْلَاطٍ، وَيَرْبِطُ الْمَرَضَ بِاخْتِلَالِهَا، وَهِيَ: الدَّمُ، وَالْبَلْغَمُ، وَالصَّفْرَاءُ، وَالسَّوْدَاءُ. وَكَانَ أَصْحَابُ هَذَا التَّصَوُّرِ يَنْسِبُونَ إِلَى كُلِّ خِلْطٍ صِفَتَيْنِ؛ فَالدَّمُ عِنْدَهُمْ حَارٌّ رَطْبٌ، وَالْبَلْغَمُ بَارِدٌ رَطْبٌ، وَالصَّفْرَاءُ حَارَّةٌ يَابِسَةٌ، وَالسَّوْدَاءُ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ. فَالْأَخْلَاطُ أَرْبَعَةٌ، وَالْحَرَارَةُ وَالْبُرُودَةُ وَالرُّطُوبَةُ وَالْيُبُوسَةُ صِفَاتٌ مَنْسُوبَةٌ إِلَيْهَا فِي تِلْكَ النَّظَرِيَّةِ، وَلَيْسَتْ أَخْلَاطًا مُسْتَقِلَّةً.
وَهَذِهِ الْمُصْطَلَحَاتُ تُفْهَمُ فِي سِيَاقِهَا التَّارِيخِيِّ؛ فَوَصْفُ الْإِنْسَانِ بِأَنَّهُ «حَارٌّ» أَوْ «بَارِدٌ» لَيْسَ قِيَاسًا لِدَرَجَةِ حَرَارَتِهِ، وَوَصْفُهُ بِأَنَّهُ «رَطْبٌ» أَوْ «يَابِسٌ» لَيْسَ تَقْيِيمًا طِبِّيًّا لِتَوَازُنِ السَّوَائِلِ فِي جِسْمِهِ. كَمَا أَنَّ مُصْطَلَحَ «الْبَلْغَمِ» فِي هَذِهِ النَّظَرِيَّةِ لَا يُطَابِقُ بِالضَّرُورَةِ مَعْنَاهُ الْمُتَدَاوَلَ الْيَوْمَ.
وَلِنَأْخُذْ مَرَضَ السُّكَّرِيِّ مِثَالًا: لَوْ قِيلَ لِمَرِيضٍ إِنَّ السُّكَّرَ أَوِ الْحَلْوَى يُنَاسِبَانِ «طَبِيعَتَهُ»، فَلَا يُتَّخَذُ هَذَا الْقَوْلُ مُسَوِّغًا لِلْإِكْثَارِ مِنْهُمَا. إِنَّمَا تُرَاعَى قِرَاءَاتُ سُكَّرِ الدَّمِ، وَكَمِّيَّةُ الْكَرْبُوهِيدْرَاتِ، وَالْأَدْوِيَةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ، وَالْخُطَّةُ الْغِذَائِيَّةُ الْمُلَائِمَةُ لِحَالَتِهِ. وَلَا يَعْنِي ذَلِكَ مَنْعَ كُلِّ غِذَاءٍ يَحْتَوِي عَلَى السُّكَّرِ مَنْعًا مُطْلَقًا، بَلْ تَنْظِيمَ تَنَاوُلِهِ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ وَالْحَالَةِ. وَقَدْ يَحْتَاجُ الْمَرِيضُ إِلَى سُكَّرٍ سَرِيعِ الِامْتِصَاصِ لِعِلَاجِ هُبُوطِ سُكَّرِ الدَّمِ؛ فَتَكُونُ الْحَاجَةُ هُنَا نَاشِئَةً عَنْ حَالَةٍ طِبِّيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ، لَا عَنْ تَصْنِيفٍ لِلْأَخْلَاطِ.
وَكَذَلِكَ الْقَهْوَةُ: لَوْ قِيلَ إِنَّهَا تُنَاسِبُ «مِزَاجَ» شَخْصٍ مُصَابٍ بِارْتِفَاعِ ضَغْطِ الدَّمِ، فَلَا تَكْفِي هَذِهِ الْعِبَارَةُ لِتَقْرِيرِ مُلَاءَمَتِهَا لَهُ؛ فَالْكَافِيِينُ قَدْ يَرْفَعُ ضَغْطَ الدَّمِ رَفْعًا مُؤَقَّتًا، وَتَتَفَاوَتُ الِاسْتِجَابَةُ لَهُ مِنْ شَخْصٍ إِلَى آخَرَ، وَقَدْ يَكُونُ أَثَرُهُ أَوْضَحَ لَدَى مَنْ لَا يَعْتَادُ تَنَاوُلَهُ. لِذَلِكَ لَا يَصِحُّ الْجَزْمُ بِأَنَّ الْقَهْوَةَ تَرْفَعُ ضَغْطَ كُلِّ إِنْسَانٍ رَفْعًا دَائِمًا، وَلَا بِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ عَلَى جَمِيعِ مَرْضَى الضَّغْطِ. وَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّهَا تَرْفَعُ ضَغْطَ مَرِيضٍ أَوْ تُسَبِّبُ لَهُ أَعْرَاضًا، رُوعِيَ أَثَرُهَا الْفِعْلِيُّ، وَحُدِّدَتِ الْكَمِّيَّةُ الْمُنَاسِبَةُ أَوْ تَقَرَّرَ تَجَنُّبُهَا بِمَشُورَةِ طَبِيبِهِ.
فَعِنْدَ اتِّخَاذِ الْقَرَارِ الْعِلَاجِيِّ، نَضَعُ تَصْنِيفَاتِ الْأَخْلَاطِ جَانِبًا، وَنَلْتَفِتُ إِلَى الْمَرَضِ وَحَالَةِ الْمَرِيضِ وَنَتَائِجِ فُحُوصِهِ.
وَهَذَا الْمِيزَانُ يُرَاعَى فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ مَعًا؛ فَمُلَاءَمَةُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ تُقَدَّرُ بِالْمَعْرِفَةِ الْمَوْثُوقَةِ وَالْأَثَرِ الْفِعْلِيِّ، وَتُرَاعَى فِيهَا خُصُوصِيَّةُ كُلِّ إِنْسَانٍ. فَلَا وَصْفَ مَوْرُوثًا يُسَوِّغُ ضَرَرًا، وَلَا مُوَافَقَةَ مَزْعُومَةً تُقَدَّمُ عَلَى سَلَامَةِ الْمَرِيضِ؛ إِنَّمَا الْعِبْرَةُ بِمَا يَحْفَظُ صِحَّتَهُ، وَيُحْسِنُ عِلَاجَهُ، وَيَصُونُ عَافِيَتَهُ.