الْأَعْشَابُ بَيْنَ الْوَصْفَةِ وَالدَّلِيلِ
الْوَصَفَاتُ الْعُشْبِيَّةُ عَلَى وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ
تَنْتَشِرُ عَبْرَ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ وَصَفَاتٌ عُشْبِيَّةٌ، وَيُقَالُ: هَذِهِ الْعُشْبَةُ تُعَالِجُ هَذَا الْمَرَضَ، وَتِلْكَ تُفِيدُ فِي ذَلِكَ الْعَرَضِ؛ فَكَيْفَ نَتَعَامَلُ مَعَ هَذِهِ الْوَصَفَاتِ؟ وَهَلْ مَا يَنْفَعُ شَخْصًا يَنْفَعُ غَيْرَهُ؟ وَمَتَى يَكُونُ اسْتِعْمَالُ الْأَعْشَابِ سَبَبًا لِلضَّرَرِ؟
الْجَوَابُ
إِنَّ صِحَّةَ الْإِنْسَانِ أَمَانَةٌ، وَالْأَمَانَةُ تُصَانُ بِالْعِلْمِ وَالتَّثَبُّتِ، وَتُحْفَظُ بِالْوَعْيِ وَحُسْنِ التَّدْبِيرِ. وَحِينَ تَتَزَاحَمُ الْوَصَفَاتُ عَلَى الشَّاشَاتِ، وَتَتَعَالَى الْوُعُودُ بِالشِّفَاءِ، يَحْتَاجُ الْمَرِيضُ إِلَى بَصِيرَةٍ تَهْدِي خُطْوَتَهُ، وَمَعْرِفَةٍ تَحْمِي صِحَّتَهُ؛ فَشُهْرَةُ الْوَصْفَةِ لَا تُثْبِتُ فَاعِلِيَّتَهَا، وَكَثْرَةُ تَدَاوُلِهَا لَا تَضْمَنُ سَلَامَتَهَا، وَحُسْنُ نِيَّةِ نَاقِلِهَا لَا يَكْفِي لِتَحْدِيدِ مَنْ تُنَاسِبُهُ وَمَنْ قَدْ تَضُرُّهُ.
فَالْأَجْسَامُ تَخْتَلِفُ، وَاسْتِجَابَاتُهَا تَتَفَاوَتُ، وَحَاجَاتُهَا لَا تَتَطَابَقُ. وَلِكُلِّ إِنْسَانٍ حَالَتُهُ الصِّحِّيَّةُ، وَعُمْرُهُ، وَتَارِيخُهُ الْمَرَضِيُّ، وَأَدْوِيَتُهُ، وَمَا قَدْ يُعَانِيهِ مِنْ حَسَاسِيَّةٍ أَوْ ضَعْفٍ فِي وَظَائِفِ بَعْضِ أَعْضَائِهِ. وَقَدْ يَتَشَابَهُ اثْنَانِ فِي الْأَلَمِ، وَيَخْتَلِفَانِ فِي سَبَبِهِ؛ وَقَدْ يَحْمِلَانِ اسْمَ الْمَرَضِ نَفْسَهُ، وَيَحْتَاجُ كُلٌّ مِنْهُمَا إِلَى تَدْبِيرٍ يُلَائِمُ حَالَتَهُ. لِذَلِكَ قَدْ تَنْفَعُ عُشْبَةٌ شَخْصًا فِي ظُرُوفٍ مُحَدَّدَةٍ، وَلَا تَنْفَعُ آخَرَ، وَقَدْ تُلْحِقُ بِهِ ضَرَرًا.
وَالْأَعْشَابُ تَحْتَوِي عَلَى مُرَكَّبَاتٍ كِيمِيَائِيَّةٍ، مِنْهَا مَا يَمْلِكُ تَأْثِيرًا فِي الْجِسْمِ؛ وَهَذَا التَّأْثِيرُ قَدْ يَكُونُ نَافِعًا أَوْ ضَارًّا، بِحَسَبِ نَوْعِ الْمَادَّةِ وَجُرْعَتِهَا وَمُدَّةِ اسْتِعْمَالِهَا وَحَالَةِ مَنْ يَتَنَاوَلُهَا. فَكَلِمَةُ «طَبِيعِيٌّ» لَا تَعْنِي أَنَّ الْمُسْتَحْضَرَ آمِنٌ لِكُلِّ إِنْسَانٍ، وَوُجُودُ الْمُرَكَّبَاتِ الْكِيمِيَائِيَّةِ لَا يَعْنِي بِذَاتِهِ أَنَّهُ ضَارٌّ. إِنَّمَا يُبْنَى الْحُكْمُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمُكَوِّنَاتِ وَآثَارِهَا، وَتَقْيِيمِ مَنَافِعِهَا وَمَخَاطِرِهَا.
وَقَدْ تَتَدَاخَلُ بَعْضُ الْأَعْشَابِ مَعَ الْأَدْوِيَةِ، فَتَزِيدُ تَأْثِيرَهَا أَوْ تُضْعِفُهُ، وَقَدْ تُؤَثِّرُ فِي ضَغْطِ الدَّمِ أَوْ سُكَّرِهِ، أَوْ تَزِيدُ قَابِلِيَّةَ النَّزِيفِ، أَوْ تُؤْذِي الْكَبِدَ أَوِ الْكُلَى. وَلَا تَجْتَمِعُ هَذِهِ الْمَخَاطِرُ فِي كُلِّ عُشْبَةٍ، وَلَكِنَّ احْتِمَالَهَا يَجْعَلُ التَّقْيِيمَ الطِّبِّيَّ ضَرُورِيًّا قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ الْعِلَاجِيِّ، وَلَا سِيَّمَا لِلْحَوَامِلِ وَالْمُرْضِعَاتِ وَالْأَطْفَالِ وَمَرْضَى الْأَمْرَاضِ الْمُزْمِنَةِ.
كَذَلِكَ تَخْتَلِفُ الْمُسْتَحْضَرَاتُ الْعُشْبِيَّةُ فِي تَرْكِيزِهَا وَنَقَاوَتِهَا وَمُكَوِّنَاتِهَا، وَقَدْ تَحْمِلُ الِاسْمَ نَفْسَهُ وَتَتَفَاوَتُ فِي تَأْثِيرِهَا. وَتَنَاوُلُ نَبَاتٍ ضِمْنَ الطَّعَامِ بِكَمِّيَّةٍ مُعْتَادَةٍ يَخْتَلِفُ عَنْ تَنَاوُلِ مُسْتَخْلَصِهِ الْمُرَكَّزِ بِقَصْدِ الْعِلَاجِ. كَمَا أَنَّ تَحَسُّنَ شَخْصٍ بَعْدَ تَنَاوُلِ عُشْبَةٍ لَا يُثْبِتُ وَحْدَهُ أَنَّهَا سَبَبُ تَحَسُّنِهِ، وَلَا يَجْعَلُ تَجْرِبَتَهُ وَصْفَةً صَالِحَةً لِلْجَمِيعِ.
وَمِنْ هُنَا، يَنْبَغِي أَنْ يَسْبِقَ اسْتِعْمَالَ الْأَعْشَابِ لِلْعِلَاجِ رُجُوعٌ إِلَى طَبِيبٍ مُؤَهَّلٍ مَوْثُوقٍ، يُقَيِّمُ الْحَالَةَ وَيَنْظُرُ فِي الْفَائِدَةِ الْمُتَوَقَّعَةِ وَالْمَخَاطِرِ الْمُحْتَمَلَةِ. وَيَجِبُ إِطْلَاعُهُ عَلَى الْأَدْوِيَةِ وَالْمُكَمِّلَاتِ الْمُسْتَعْمَلَةِ، وَعَلَى الْمُسْتَحْضَرِ الْعُشْبِيِّ الْمُرَادِ تَنَاوُلُهُ. فَإِنْ كَانَ مُنَاسِبًا، حُدِّدَتْ جُرْعَتُهُ وَمُدَّتُهُ وَطَرِيقَةُ مُتَابَعَتِهِ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنَاسِبًا، كَانَ تَرْكُهُ حِفْظًا لِلصِّحَّةِ. وَالْإِشْرَافُ الطِّبِّيُّ يُسَاعِدُ عَلَى تَقْلِيلِ الْمَخَاطِرِ، وَلَا يَجْعَلُ كُلَّ مُسْتَحْضَرٍ مَضْمُونَ السَّلَامَةِ أَوِ الْفَاعِلِيَّةِ.
وَلَا يُوقَفُ عِلَاجٌ مَوْصُوفٌ، وَلَا يُؤَخَّرُ فَحْصٌ ضَرُورِيٌّ، اتِّكَالًا عَلَى وَصْفَةٍ مُتَدَاوَلَةٍ. فَالْمَرِيضُ يَسْتَحِقُّ عِلَاجًا يُرَاعِي حَالَتَهُ، وَقَرَارًا يَسْتَنِدُ إِلَى مَعْرِفَةٍ.
وَمَنْ أَرَادَ نُصْحَ النَّاسِ فَلْيَدُلَّهُمْ عَلَى التَّثَبُّتِ وَالْمَشُورَةِ؛ إِذْ قَدْ تَصِلُ كَلِمَتُهُ إِلَى مُتَأَلِّمٍ يَتَعَلَّقُ بِهَا رَجَاءً، وَيَأْخُذُهَا ثِقَةً. فَلْتَكُنِ الْكَلِمَةُ أَمِينَةً بِقَدْرِ مَا هِيَ مُؤَثِّرَةٌ؛ فَالْعَافِيَةُ أَغْلَى مِنْ أَنْ تُرْهَنَ لِوَعْدٍ، وَحَيَاةُ الْإِنْسَانِ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ تُتْرَكَ لِلتَّجْرِبَةِ الْعَشْوَائِيَّةِ.